الوسوم » إيران

الأطماع الإيرانية في سوريا - Les convoitises iraniennes en Syrie

تسهيلات النظام

تغوّل النفوذ الإيراني وتعرّى بعد الثورة، وقدّم الأسد التسهيلات الضرورية كلها، بما فيها التسهيلات التشريعية والتغطية القانونية. فقد أصدر القانون رقم 25 لعام 2013، الذي سمح بتبليغ المدعى عليه بالدعوى غيابيًّا في الصحف في المناطق الساخنة.

شوارع إيران الانتخابية: غداً كلنا قادمون

في أقدم وأطول شوارع الشرق الأوسط، ازدحام لا تعهده ليالي طهران إلا في الموسم الانتخابي. على أرصفة شارع “وليعصر” تقف مجموعات شبابية.  “ضوء أحمر” كان يأذن بتوقف السيارات، لتندفع بشكل سريع صبية تلوح بعلم الجمهورية الإسلامية، تحمل صور الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني، وتُناولُ كل من يصادفه وجهها البسوم صورة لمرشحها.على خط مواز كان شاب آخر يرفع شارة النصر، ويجوب بين السيارات، يمد لكل نافذة صورة للمرشح السيد إبراهيم رئيسي، ويردد: “بانتظاركم يوم الجمعة”.

صودف لزيارتي إلى طهران ومشهد أن تكون في أيام العد العكسي لبدء الانتخابات الإيرانية. نهارات المدينتين كما لياليها كل ما فيها ومن فيهم، لا يعكس إلا الأجواء الحماسية للانتخابات. في مدينة مشهد المقدسة كانت صور المرشح السيد إبراهيم رئيسي تُرفع في قلب المدينة وعلى أطرافها لتسرق انتباه كل عابر أو متنقل في المدينة  المقدسة في ضوء النهار، أما ليلاً فلا يُكتفى بالصور.

في طريق عودتي من منطقتي طرقبة وشانديز الواقعتين غرب مشهد باتجاه وسط المدينة المقدسة، عند الساعة الثانية عشر ليلاً،  كانت الشوارع الواسعة للمدينة تزدحم بالسيارات، على كل منها صورة لمرشح، ومن نوافذها تخرج إما أعلام الجمهورية الإسلامية  أو تخرج الأيادي لترفع شارات النصر. في طريقنا، كانت تستوقفنا الأجواء الحماسية، مجموعات متفرقة من الشباب توزعت على هذه الشوارع، ترفع يافطات منها ما يقول إنه سيكون مع روحاني “لولاية ثانية”، وأخرى مقابلة تعتبر أن التغيير الرئاسي هو في صالح الشعب، وكلتاها تحث على المشاركة الكثيفة في التصويت.

يقف الرأيان المتقابلان على رصيف واحد، الكل مندفع ليُعرّف بمرشحه، والكل متحمس لأن يحظى بإشارة تأييد لما يرفعه وينادي به، والكل يتحدث باقبال منقطع النظير عن أهمية التصويت والمشاركة. كنت أنظر إلى اللوحة الإيرانية  المزدهية باختلاف ألوانها، بإنبهار تام وتأسف على أحوال منطقة، جل رؤسائها لا يبدلهم إلا الموت.

في إحدى ليالي إقامتي في مدينة مشهد، أثناء خروجي من الحرم الرضوي، استوقفتني مجموعة من الشباب تقف مقابل “باب الرضا”، ترفع يافطات لم أفهم منها إلا أنها تتحدث عن الفقر والفقراء، استفهمت ممن كان يرافقني عن المقصود باليافطات، أجاب موضحاً أنها تُرفع تأييداً لأحد المرشحين، وقفت أحاول أن أفهم المقصود بالتحديد، قبل أن يأتي أحد رجال الشرطة ليطلب من شاب في المجموعة إنزال يافطته. دقائق قليلة قبل أن ينزل الشاب يافطته بالفعل  عاودت السؤال مستفسرة عما جرى، لماذا يافطة هذا الشاب تحديداً؟ ففهمت أن اليافطة المرفوعة كانت تحمل تهجماً على أحد المرشحين، وهو ما تمنعه السلطات التي ترعى كل مظاهر الاحتفاء والتحشيد للانتخابات التي ينتظرها الإيرانيون يوم غدٍ الجمعة (19 أيار/مايو).

كنت أنظر في وجوه المتحلقين حول هذه المجموعة، أحاول أن أفهم بعض الأسئلة التي كانت توجه لرافعي اليافطات، وأحيل نظراتي للشبان الذين انبروا للإجابة علني أنجح في معرفة أي نقاشات بإمكانها أن تجذب هذا العدد وأن تحافظ على هدوئها. وفي تلك اللحظات استعدت مشاهد المنظارات التي أجراها المرشحون، كيف كان كل منهم يطرح مشروعه ويسائل منافسه ويحرجه أحياناً دون أن يؤثر كل هذا المشهد على هدوء واستقرار الشارع الإيراني.

في طهران أيضاً، أخفت صور المرشحين التي انتشرت بكثافة بعض معالم أبنية العاصمة. لم تكن الصور لمرشحي الرئاسة فقط، إذ أن البلاد مقبلة على انتخابات بلدية أيضاً. حاولت التعرف إلى ميول أهل العاصمة من خلال الصور المرفوعة، وسعيت لأن أّقدّر من خلالها نتيجة الانتخابات التي يتفق الإيرانيون على أنها ستكون محمومة بالتنافس. يرى الإيرانيون أن المعركة الانتخابية في بلادهم لا يمكن أن تقدير نتائجها مسبقاً، يتفق كل من التقيت بهم أن المنافسة قائمة وشديدة، يتفقون أيضاً  أن الكل مندفع إلى المشاركة حتى من كانوا ينادون في استحقاقات سابقة إلى المقاطعة.

شاهدت صور المرشحين نهاراً، ولطالما اختطفتني الشعارات التي كانت ترفعها المجموعات المؤيدة لهذا المرشح أو ذاك ليلاً، كنت أتساءل كيف يتقابل الطرفان دون أن يتصادما بمواجهات حتى ولو بكلام عنيف! واستغربت كيف تتسع شوارع إيران لكل هذا الاختلاف، في اقليم يضيق حتى بأهل الرأي الواحد.

حاولت أن أفهم كيف تمكن الإيرانيون من أن يصنعوا نموذجاً فريداً في المنطقة؟ كيف تحافظ إيران على الاندفاع الشعبي للمشاركة في اختيار رئيس في منطقة تتزعمها أنظمة قائمة على قاعدة السمع والطاعة؟ وكيف تحافظ على هامش التنوع الذي يبيح المساءلة والمعارضة وهي تجاور دولاً تعتقل الآلاف وتفصل المئات تحت عناوين “الأمن القومي”.

كيف سيكون المشهد الانتخابي غداّ في إيران؟ تجيب صحيفة اعتماد الإصلاحية في عنوانها الرئيسي اليوم: “غداً الى جانب بعضنا البعض نصنع مستقبل ايران”. وتؤكد صحيفة جوان “المحافظة” في عنوانها الأول:”غدا ستمتلئ الصناديق بأصوات الناس”.  وتقول صحيفة إيران الحكومية: “معا قادمون لتجديد الحماس”… فيما يقدم عنوان “جام جام” التابعة للإذاعة والتلفزيون أصدق تعبير عن لسان حال الشارع الإيراني اليوم: “غدا كلنا قادمون”!

إسراء الفاس

الانتخابات الرئاسية الإيرانية: تنافس الداخل وترقب الخارج

تطورات ساخنة ومتسارعة، كلمات تلخص الظرف الدولي الذي يرسو على صفيح ساخن. الشعبوية المنتصرة في واشنطن، آخذة في التنامي في العواصم الأوروبية، فأفرزت دونالد ترامب لتغزو الغرب. وسط هذه الأجواء، يستعد الإيرانيون للإدلاء بأصواتهم في أول انتخابات رئاسية بعد الاتفاق النووي الإيراني، المُزمع إجراؤها في 19 أيار/مايو المقبل.

وصل عدد المرشحين إلى الانتخابات الرئاسية إلى المئات. مشاهد الوافدين على تقديم طلبات الترشيح، تعبّر عن أجواء ديمقراطية تكاد إيران تنفرد فيها في المنطقة. بين المرشحين حتى ظهؤ أمس الأربعاء: شاب يبلغ من العمر 18 عاماً، وضمن الترشيحات سُجل اسم 13 إمرأة، و19 من جرحى الحرب.

ومن المرشح أن يرتفع العدد فترة تسجيل المرشحين التي بدأت الثلاثاء الماضي وتنتهي السبت القادم، قبل أن يبت مجلس صيانة الدستور بصلاحية وأهلية المرشحين.

7رؤساء عرفتهم الجمهورية الإسلامية، 4 منهم نجحوا في كسب أصوات غالبية الإيرانيين لدورتين متتاليتين. وتشهد إيران انتخابات رئاسية كل 4 سنوات. وبموجب الدستور الإيراني يُمنح كل مواطن بلغ من العمر 15 عاماً حق الادلاء بصوته والتعبير عن رأيه في صناديق الاقتراع .

وتُجمع القراءات على أن المشهد الانتخابي الإيراني هذه العام سيكون حامياً.

مشاركة مليونية واسعة منتظرة في الاستحقاق الذي يتطلع إليه العالم، وتوقعات بأن المنافسة لن تقتصر على الجمهورين الاصلاحي والمحافظ، إذ أن الشريحة الثالثة الصامتة ستكون حاضرة في الاستحقاق المرتقب.

الحدث الذي يُعنى به الداخل الإيراني بشكل رئيسي، لا ينفصل عن الخارج. إذ تترك المواقف الدولية والاقليمية تجاه إيران بصمتها في توجهات الجمهور، الذي مهما اختلف داخلياً يُجمع على أن أمن ومصلحة الجمهورية الاسلامية فوق كل اعتبار. على المقلب الآخر، يترقب الخارج القريب والبعيد، سياسياً وجغرافياً، ما ستفرزه الانتخابات من نتائج.

وبعيداً عن التباينات الداخلية البحتة، هناك مؤثرات خارجية من شأنها أن تسهم إلى حد ما في حجم المشاركة بالانتخابات.

السلوك الأميركي تجاه إيران هو إحدى هذه المؤثرات. وهو يساهم يومياً في ترسيخ ثوابت الداخل الإيراني. والسلوك لا يتعلق بالمواقف المتشددة التي يبديها الرئيس دونالد ترامب فقط. الرئيس السابق باراك أوباما أيضاً لم ينتهج سلوكاً مغايراً، إلا أن أدبيات تظهير الموقف هي التي كانت تختلف. والدليل حاضر في تفاصيل الإيرانيين اليومية، هو يتعلق بالاتفاق النووي الذي لم يمنح الإيرانيين إلى اليوم القدرة على كسر القيود المفروضة على اقتصادهم. هكذا تصرف أوباما، فماذا يتوقع الإيرانيون من ترامب الذي افتتح عهده بقرار حظر دخول مواطني سبع دول إسلامية إلى بلاده بينهم الإيرانيين، واستبق عهده بخطابات التهديد المباشر للجمهورية الإسلامية؟

لا يختلف الإيرانيون على العداء الذي تكنه الإدراة الأميركية –التي لا تختلف ثوابتها من رئيس لآخر-  إلى إيران “المقتدرة والقوية”، وهما شعاران يدخلان في سرديات واهتمامات أي مواطن إيراني. إلا أن أي موقف قد تتبناه الإدارة الأميركية نفسها من مرشح معين، سيؤثر بشكل معاكس على ما سيحصده من أصوات.

إقليماً، التشنج الذي تعيشه المنطقة الملتهبة بتطوراتها يحط بظلاله أيضاً على هذه الخطاب الانتخابي للتيارات المتنافسة داخل إيران. الخطابات المستعرة التي تصدّرها السعودية ضد إيران، والتي يرددها من يدور في فلك المملكة، لا تعطي إلا مفاعيلاً عكسية على شخص الناخب الإيراني، الذي بطبيعته لا يرضخ للغة التهديد بل تزيده تشبثاً بالمواجهة.

لا يقرأ الخارج طبيعة العقلية الإيرانية، في الخارج الكل يقدم المشهد وفقاً لآماله. إلا أن حقيقة الداخل مختلفة تماماً، تعج بالتباينات، وتستعر أحياناً بالمعارك السياسية التي هي في صلب الديمقراطية، إلا أنها لا تتزحزح عن ثابتة تقول أن أمن واقتدار الجمهورية يحتل سُلم الأولويات… وهذه الثابتة حتماً ستكون حاضرة في الاستحقاق الرئاسي.

إسراء الفاس

اليمن بعد عامين: إيران وإدارة الفشل كأنه انتصار

الخميس، ٣٠ مارس/ آذار ٢٠١٧

عبد الوهاب بدرخان

كانت «عاصفة الحزم» خياراً اضطرارياً داهماً ولا مفرّ منه، وكان بينها وبين السيطرة الإيرانية الكاملة على اليمن بضع ساعات، أو بضعة أيام كحدٍّ أقصى. هذه حقيقة ينبغي ألّا تُنسى، ولو تأخّرت «العاصفة» لكانت تأكّدت نتيجتان: الأولى إقصاء الحكومة الشرعية وتكريس انقلاب أتباع إيران من حوثيين و «صالحيين» كأمر واقع وتمكينهم من بسط هيمنتهم وسلطتهم على كامل الأراضي اليمنية، والثانية تهديد مباشر للسعودية عبر منظومة إيرانية عدوانية يتموضع فيها «الحرس الثوري» والميليشيات المتعددة الجنسية لإقامة جبهة مفتوحة على حدود المملكة أكثر خطراً مما هو حاصل الآن… ولأن هذا المشروع أجهض في اللحظة الحاسمة فقد تراجعت إيران سريعاً عن الادّعاء بأن صنعاء هي العاصمة الرابعة لـ «إمبراطوريتها» وراحت تحاجج بأن الحديث عن دورها وتدخّلها «مبالغ فيه»، متذرّعة بأن لا وجود لها على الأرض، كما هو الأمر في العراق وسورية، وبأن الأزمة داخلية في أساسها ولا مجال لمعالجتها إلا بوقف الحرب على اليمن٠

ثمة تحليلات وسيناريوات كثيرة، داخلية وخارجية، دفعت ولا تزال بأنه كان من الأفضل ترك المسألة لليمنيين كي يعالجوها بوسائلهم وخصوصياتهم، وأن البيئة السياسية – القبلية كانت كفيلة مع الوقت بوضع حدّ لجموح الحوثيين وإنهاء استحواذ علي عبدالله صالح وأبنائه وأنسبائه على وحدات النخبة في القوات المسلّحة. وينطلق هذا التحليل من موقفَين مبدئيَين ومشروعَين: أن الأزمة داخلية بحتة، وأن التدخّل الخارجي مرفوض. لكن أزمة 2011 لم تنتهِ إلا بتدخّل خارجي تمثّل بالمبادرة الخليجية التي كانت أيضاً دولية وما لبث مجلس الأمن أن تبنّاها. وقد عيّنت الأمم المتحدة مبعوثاً خاصاً باليمن للإشراف على الحوار الوطني، وعلى تنفيذ نتائجه وتوصياته لاحقاً للخروج من المرحلة الانتقالية. لم يكن المتدخّلون هنا يخططون للسيطرة على السلة أو على البلد، وكان يمكن هذا النوع من التدخّل أن يضع اليمن على طريق إصلاح سياسي للدولة متوافقٍ عليه، وأن يبقيه في حال تصالح مع محيطه العربي وفي منأى من الصراعات الإقليمية. وبما أن الحوار شكّل فرصة وطنية نادرة أكّد اليمنيون فيها انضباطهم والتزامهم البحث عن توافقات تسري على الجميع، فإن الانقلاب الحوثي – «الصالحي» (الطرفان شاركا في الحوار) جاء بمثابة طعنة في ظهر اليمنيين كافة، وضربة لشرعية الحكم مفهوماً وممارسة، وخذلاناً للدول التي رعت الانتقال السلس للسلطة٠

الأهم أنه لم يكن في انقلابهم أي منحى تصالحي داخلي، بل كان واضحاً أنه «مباعٌ» سلفاً إلى إيران بغية اللعب على الصراعات الإقليمية، أي أنه يريد تأسيس نظام جديد بتركيبة انتهازية يعتقد كل طرف فيها أنه يوظّف الآخر ويستخدمه، بالتالي فهي تنطوي على تناقضات عضوية لا بدّ أن تتفجّر في أي وقت، عدا أنها طرحت للمرّة الأولى البعد المذهبي للحكم، فضلاً عن أنها لم تتأخّر في إظهار إقصائيتها مكوّنات أخرى مهمة. وأيّاً تكن المواقف من الأشخاص الذين يمثّلون الشرعية، رئاسةً وحكومة وجيشاً ومؤسسات، فإن العمل على إسقاطها، وهي التي لم تعتدِ على الناس ولم تبادر إلى إهانتهم والتنكيل بهم والاستخفاف بعقولهم، يبقى خطراً تاريخياً فادحاً في حق اليمن واليمنيين. فالنموذج الذي سعى إليه الحوار الوطني هو الذي يمكّن المواطنين من منح مَن يحترم الشعب والدولة الشرعية. أما النموذج الحوثي – «الصالحي» فيقترح مزيجاً من نهج التسلّط كما اتّبعه الرئيس المخلوع والنهج الميليشيوي الذي دأب فيه الحوثيون حتى قبل الانقلاب ولا يستطيعون إدامته إلا بتهميش الدولة والجيش، إضافة إلى تسليم البلد إلى إيران لتتخذه ورقة في مساوماتها الإقليمية والدولية٠

بطبيعة الحال لم تكن الحرب خياراً محبّذاً لدى السعودية أو أيٍّ من دول التحالف التي شاركت في «عاصفة الحزم»، لكن المبرّرات فرضت نفسها بقوّة على رغم الإدراك المسبق للصعوبات والتعقيدات والأكلاف، ثم إن هذا الدور كان يجب أن يكون للمجتمع الدولي تحت البند السابع لميثاق الأمم المتحدة. لكن المجتمع الدولي تخاذل بداعي الانقسامات في مجلس الأمن. صحيح أن إدارة باراك أوباما سجّلت موقفاً علنياً داعماً للسعودية في مواجهتها التهديدات، إلا أنها واصلت نهجها المجامل للحوثيين قبل الانقلاب وبعده والمبالغ في تغاضيه عن التدخّلات الإيرانية في اليمن وغيره. ولم تكن الحرب حققت شيئاً على الأرض عندما بدأت إيران تضغط على الموقف الأميركي كي يتبنّى مبدأ «وقف الحرب»، الذي كان يوازي في ذلك الوقت القبول الفعلي بالسيطرة الحوثية ونتائج الانقلاب. وبعدما بدأت المعادلة الميدانية تتغيّر باتجاه التكافؤ مطلع 2016، وأمكن ترتيب وقف النار وظروف صالحة ولو جزئياً للشروع بمفاوضات جدّية، جاء الحوثيون و «الصالحيون» إلى الكويت بأجندة ترمي إلى تجاوز المرجعيات (المبادرة الخليجية والقرارات الدولية وتوافقات الحوار الوطني) فضلاً عن رفض الشرعية لأن الاعتراف بها ينسف أي «شرعية» يدّعونها لانقلابهم ولحال السيطرة الاحتلالية التي اعتقدوا أن تفرض أمراً واقعاً لا يمكن أي تسوية سياسية أن تغيّره٠

واقعياً، كانت هذه الأجندة إيرانية تدعو إلى وقف الحرب أولاً وترك الحل السياسي لليمنيين كي يتفاهموا عليه «من دون تدخّلات»، وترمي إلى قلب الأولويات والتعجيز في حال عدم التوافق على وقف الحرب. لكن الحرب لم تبدأ بـ «عاصفة الحزم»، بل بالانقلاب ذاته تحت غطاء «اتفاقي السلم والشراكة»، الذي لم يكد يوقّع – تحت الضغط والتهديد – حتى كان الحوثيون أنهوا السيطرة على صنعاء وبدأوا الزحف إلى بقية المناطق، وكان بين أوائل إنجازاتهم إطلاق الإيرانيين المعتقلين بعد ضبط سفينة تهريب أسلحة (آذار – مارس 2013). أمّا أولويات التسوية فوضعها القرار 2216 على أساس إلغاء نتائج الانقلاب في إطار احترام الشرعية والدولة والجيش. كانت مفاوضات الكويت الفرصة الأخيرة للانقلابيين كي يُظهروا استعداداً لهذا التنازل الحتمي وليؤهّلوا أنفسهم كجزء من الحكم. لكنهم أرادوا حصة في الحكومة تفوق ما يستحقّونه، من دون أن يتعهّدوا تسليم العاصمة، أما تسليم الأسلحة فلم يكن ولن يكون وارداً لديهم، كونه يعادل الاستسلام في نظرهم٠

غير أن مفاوضات الكويت لم تقتصر على مناورات إيرانية لم تمرّ، بل اتسمت خصوصاً بإبداء الأطراف الدولية مزيداً من الاستعداد للخداع والتخاذل حتى لو تطلّب الأمر مكافأة الانقلابيين سعياً إلى صفقات مع إيران الخارجة لتوّها من العقوبات الدولية. فعلى هامش المفاوضات، أو «المشاورات» وفق ما أصر الحوثيون على تسميتها، دفع الجانب الأميركي باتجاه الضغط على الحكومة الشرعية، واستمرّ في ذلك من خلال اللقاءات الرباعية (الولايات المتحدة وبريطانيا والسعودية والإمارات) ثم في المسعى الأخير للوزير جون كيري قبيل مغادرته منصبه، بغية تجريد الرئيس الشرعي من صلاحياته بعد إقالة نائبه. ولم يكن هذا العبث بتركيبة الحكومة الشرعية سوى استجابة لرغبة الانقلابيين من دون الحصول على تنازل جوهري من جانبهم لمصلحة الحل السياسي٠

بعد عامين على «عاصفة الحزم»، وعلى رغم الأوضاع الإنسانية الكارثية التي يتحمّل مسؤوليتها الانقلابيون في شكل رئيسي، ثمة متغيّرات أساسية. أولها أن المعادلة الميدانية لم تعد لمصلحة الحوثيين وحلفائهم، وأن جيش الحكومة الشرعية الذي بدأ من الصفر استطاع أن يقلّص سيطرة الانقلابيين إلى 15 – 20 في المئة من الأراضي كما قلّص إمكان استعادتهم زمام المبادرة. وثانيها أن في البيت الأبيض إدارة غير مهتمّة باسترضاء طهران، وحتى لو لم يتضح الموقف الأميركي الجديد بعد، إلا أنه لن يكون معنياً بتمكين إيران من باب المندب أو من الهيمنة على اليمن. وفي مختلف سيناريوات المساومة، أصبح اليمن ورقة محترقة في يد طهران، ومهما حاولت دفع الحوثيين، خصوصاً قوات صالح (وهي بالمناسبة القوات التي أشرف الأميركيون على تدريبها) لتكثّف اعتداءاتها على الأراضي السعودية، فإن مشروعها اليمني فشل وإن صوّرته على أنه لا يزال قائماً وقادراً على تحقيق انتصارات٠

* كاتب وصحافي لبناني

بوغدانوف لـ «الحياة»: لا حل في سورية إذا تمسكت المعارضة بشرط إسقاط النظام

الأحد، ٥ مارس/ آذار ٢٠١٧

موسكو، داغةو درغام ورائد جبر

حذّر نائب وزير الخارجية الروسي مبعوث الرئيس إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ميخائيل بوغدانوف من سيناريوات التقسيم في المنطقة في حال فشلت التسويات السياسية للأزمات الإقليمية.