تاليا ملخص لعرض الشكل الأخلاقي للمنشأة التجارية ككل كما تصوره الفلاسفة والاقتصاديون

أرسطو والنظام الطبقي للعالم القديم
كان أرسطو هو أول من هاجم أسس السوق وفرق بين المهن النبيلة من تلك الحقيرة، فالصيد في كل تنويعاته والقتال والزراعة وتربية الحيوانات والحكم وبعض أنواع الحرف هي مهن نبيلة، بينما التجارة حقيرة وتجارة التجزئة والأعمال المصرفية أكثرها جلباً للعار. لأن من خلالها يمارس الربا وتركز العقل على المال والمكسب التافه واكتناز الأموال وجني المزيد منها وكل ذلك سيء جداً للسمعة. أما الحرف التي تركز على الجمال فهي مقبولة. ومع أن أرسطو لم يكن يصف المجتمع الذي عاش فيه بل الذي كان يفضله فقد انتصر بتبني الكنيسة الرومانية حظر الربا مما أبطأ نمو التجارة في العصور الوسطى بشكل ملحوظ.

الحركة الرهبانية وأخلاقيات الأعمال
عام 529م أسس القديس بنيديكت ديراً مسيحياً في مونتي كاسينو، وكانت فكرته في أنه بدلاً من الاستجداء (وحده) لدعم حياة الصلاة والتأمل يجب أن يعمل رهبانه في الحقول وفي المهام الأخرى لتعلم التواضع. لذا أصبح العمل في هذه المهن نبيلاً وصالحاً لأنه جزء من مهنتهم (الدعوة) أو ليدعمها.

التجارة والعقد
في أوروبا وفي نهاية القرن(12)خلقت البعثات البرية والبحرية سوقاً لبيع منتجات الشرق في أوروبا. وليضمن التجار أن السفن التي أرسلوها سوف تعود إليهم من الشرق لم يكن لديهم سوى قوة الكلمة أو وعد القبطان والذي كان بمنزلة العقد. كان العقد في ذلك الوقت أمراً محفوفاً بالمخاطر كون أن الوقت الذي يفصل بيت الاتفاقية والأداء طويل جداً، لكن عددا كافيا منهم عمل لكي تصبح تلك الممارسة من التعاقد والأداء طريقة راسخة لتنفيذ الأعمال والتي تبقى حتى الآن واحدة من أقوى الالتزامات الأخلاقية المعترف بها داخل أو خارج عالم الأعمال.

العقد الاجتماعي والملكية الخاصة
دخلت أوروبا العصر الحديث وهي مقتنعة بأن فكرة العقد يمكن أن تشكل أساساً لجميع أشكال الالتزام الأخلاقي والنظريات السياسية. لذلك عندما تعهد المفكرون السياسيون بتحدي السلطة المقدسة للكنيسة والحق الإلهي للملوك، استوردوا الفكرة التجارية للعقد لتبرير السلطة السياسية للدولة على المواطن. ويجب النظر إلى المجتمع كأحد منتجات العقد الاجتماعي لإبعادهم عن حالة حرب الكل ضد الكل، حسب توماس هوبز. ولحماية الملكية أو الحقوق المدنية فنحن بحاجة إلى حكومة مدنية.

ثروة الأمم
في حركة الإصلاح البرستنتانتي وبعد أن حققت اللوثرية (نسبة إلى مارتن لوثر) نجاحات هائلة في المدن، حاول الفلاسفة أسر الروح الجديدة للنهضة والتنوير وقد كرر أحد أفضلهم الحسابات العملية للتجارة بصورة مثالية وهو جيرمي بنثام مؤسس مذهب المنفعة. ثم جاء آدم سميث وطبق فرضيات بنثام على السوق، فقال إن الناس أنانيون وفي السوق يقوم المرء بتقديم مصالحه الخاصة لكي يصبح أغنى من حيث السلع والمال والمتع وبناء على هذه الفرضية فإن الفعل الرأسمالي الأساسي هو التبادل الاختياري الأناني، “أي التجارة الطوعية مع آخر بغرض تعزيز المرء لمصالحه الخاصة.
كان إنجاز آدم سميث الأكثر بروزاً هو إدراكه أن التأثير العام لكل هذا التزاحم الأناني سيكون جعل أغلب السلع الممكنة من أفضل نوعية ممكنة متوافرة بأقل الأسعار. ومن ناحية أخرى على الباعة والمشترين بمراقبة السوق مع تعديل عمليات الإنتاج والشراء لاستغلال التقلبات في العرض والطلب. وأدرك سميث أن الفرص الأفضل لن تتوافر إلا في ظل الاقتصاد الحر وحتى لو اعتقدنا أننا أنانيون جداً إلا أننا موجهون في ظل هذا النظام لخدمة المصلحة العامة. ولذلك فإن بعض الفضائل مقتضاة بموجب عمليات السوق الحرة، فالرأسمالية لن تنجح لمدة طويلة ما لم يكن المشاركون عقلانيون، متعقلين، كادحين، معتدلين ومدخرين ويمتلكون عادة بعض المهارة التي بإمكانهم أن يستخدموها لكسب لقمة العيش، وقبل كل شيء مسئولين في متابعة التزاماتهم وتنفيذ عقودهم ويلعبوا دوراّ فاعلاً في حماية المجتمع.

الأعمال كحلبة للمعضلات الأخلاقية
لم ينظر إلى شركات الأعمال كشرير في الولايات المتحدة حتى القرن التاسع عشر وهو عصر الشركة ذات المسئولية المحدودة والثورة الصناعية وحضارة المصانع.

طبيعة الشركة إن الشركة التي تهدف للربح هي مضاربة ممولة من قبل مستثمرين بغرض كسب المزيد من المال بالحصول على عائد استثماري يساوي أو يزيد على ما يمكنهم أن يحصلوا عليه من أي توظيف آخر لأموالهم وبمجرد بداية أعمالها، تعتبر الشركة قانونياً بمنزلة شخص خيالي. وسواء كانت ملموسة أم لا فهي شيء حقيقي يعيش أطول من جميع أعضاءه هو الذي يمكنه أن يرفع أو أن ترفع ضده الدعاوى القضائية ويبرم العقود كأي فرد وهذه المنزلة التي تجعلنا نفترض أنه قد تكون لها حقوق والتزامات أخلاقية مثل أي واحد منا. لكن وبما أن لأي فرد أو جماعة الإمكانية لأن تدير عملاً فلماذا يتم إنشاء الشركات؟ الجواب من الناحية التاريخية، كانت الدولة ترخص بإنشاء الشركات والتي تمنح من قبل الدولة امتياز المسئولية المحدودة أي أن أعضاء الشركة المستثمرين مسئولون مالياً عن الديون المتعلقة بالشركة بقدر استثماراتهم فقط، ومن الممكن أن يخسروا المال الذي وضعوه فيها لكن دائني الشركة لا يستطيعون ملاحقة أموالهم الشخصية للوفاء بديون الشركة.

الشركة في السوق الحرة:بعد آدم سميث جادل المدافعون باسم حرية التجمع بوجوب عدم منع مجموعة من الأشخاص من إنشاء شركة إن هم أرادوا ذلك، أما الآن فالعملية أبسط، وهناك شركات لا ربحية لكن التركيز هنا على شركات القطاع الخاص الربحية وكون أنها تتمتع بأغلب الحريات التي يتمتع بها البشر فهل يمكن أن نعتبر أنها أيضاً مسئولة معنوياً كدعم الفقراء مثلاً، ولفهم تركيب هذه المشكلة لا بد من بحث في بنية الشركات ولو للحظة.

الملكية والوكالة: في البداية الشركة تكون مملوكة كاملة من المستثمرين وجميع القرارات المتعلقة بما يجب أن تفعله تتخذ من قبل الأغلبية، لكن أن قرروا الانصراف لأعمال أخرى وتعيين مدير لإدارة الشركة في غيابهم أصبح هذا المدير هو وكيل الشركة وليس مالكها والملتزم أخلاقياً في علاقة الوكالة على تعزيز مصالح الشركة. وإذا أخذت الشركة شكلها المعاصر وأصبحت مساهمة وتدار من قبل مجلس إدارة منتخب مهمته تعزيز مصالح المساهمين الذين قد يصلوا إلى عدة آلاف أو ملايين فإن عملية الاتصال بهم من قبل المدير بصفتهم مالكين طلباً للنصيحة حول موضوع معين تصبح منافية للعقل. لذلك وفي القرن العشرين أصبح التزام الشركات نحو دعم المجتمع فيما يتجاوز النص الحرفي للقانون ملغى. لذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار أن مؤسسات الأعمال محدودة.

كارل ماركس (الماركسية): الرد الأخلاقي
بعد الثورة الصناعية وما سببته من الشقاء الإنساني، تفجر غضباً أخلاقياً بين قطاع عريض من المواطنين والمتعلمين، وفي الواقع بدأت الحركة البيئية عند تلك النقطة. وهذا النقد أدى إلى وضع قاعدة للإصلاح جاءت في صورة القوانين المتعلقة بالأجور وساعات العمل ومنع تشغيل الأطفال وحماية البيئة..الخ لكن مسئولية سن القوانين وتطبيقها يأتي على عاتق الحكومات والشرطة والمحاكم المدعومة من قبل تلك الشركات الغنية وبالتالي الإصلاح لن يأتي. لذلك أتى ماركس ومعه أمل العمال الوحيد للإصلاح من خلال الاشتراكية والإطاحة الثورية بالرأسمالية.