الوسوم » الثقة بالنفس

كن واضحاً مع نفسك ومع الناس

أولاً : كن واضحاً مع نفسك

ماذا يعني أن أكون واضحاً مع نفسي؟ حسناً، يعني أن تحدد ماذا تريد من نفسك بالظبط؟ حقاً ماذا تريد؟
قبل فترة ليست بقصيرة وذلك عندما كنت أضع أهداف الأسبوع بعنوان عريض يفيد ما أريده بالظبط في هذا الأسبوع، وهذا أمر جيد كنت أظن وقتها، ولكن بدت الحيرة تلفني، ودائماً ما أسأل نفسي مستفهمة عن لماذا أكتب هذه الأهداف؟ وماالذي أريده من نفسي من خلال هذه الأهداف؟
كانت هذه الأسئلة محيرة جداً، تجعلني أبكي، أتألم لأني دائماً ماكنت أبحث عن إجابات شافية ليها، دائماً ماكنت أحاول الإجابة لكن سرعان ما أكون مخطئة بشأن الإجابات، كنت أعتقد أنه ليست هناك إجابات، وأحس وقتها بالحيرة والتشويش، وذلك في عدم قدرتي على ربط الأشياء مع بعضها، وفي كل مرة أواجه فيها هذه الأسئلة أجد نفسي تخليت عن فكرة وضع الأهداف ورميت بالورقة والقلم إلى القمامة، فقط أُهدئ نفسي بالذهاب إلى النوم حتى أنسى الفكرة، متبعة في ذلك المثل الشعبي الذي يقول “إذا تراكمت عليك الهموم إتدلدم ونوم” إن النوم يعمل هنا كنافذة للهروب المؤقت لكنه لا يعمل على حل المشكلة، يساعد فقط على تهدئة الأمور إلى وقت قصير، ولكن تبقى المشكلة هي نفسها، حتى أنها تتعاظم عندما تحاول جاهداً تجاهلها أو الممطالة في حلها، أو حتى الهروب ونسيانها، وعندما تستيقظ من النوم ستجد نفسك ما بين شيئين :
–  ستجد نفسك إما أنك إستطعت أن تعرف شيئاً أو أن تفهم ما المغذى من هذا كله، أي ما الشيء الذي تريده بالظبط.
– أو ستجد نفسك أشد حيرة، وفي هذا الحالة دعني أقول لك شيء، وأرجو أن لا تكرهني فيه : تقدم، نعم يجب عليك أن تواصل في هذا الحالة، الحالة التي تحيرك، الموقف الآن الذي أنت فيه هو موقف عظيم جداً تتجلى فيه الأشياء، توضح فيه الرؤى، إنه إستعداد نفسي جديد لإستقبال الأحداث الأهم في حياتك، لذا لابد لك أن تبحث عن طرف الخيط في الظلام، في ظلام الأفكار المربكة والمحيرة والكثيرة، لأنك ستجده عندما تتقبل فوضى الأفكار وتسلط عليها الضوء وتركز في ” ما المهم الآن” ، حينها فقط ستجد طرف الخيط لكي تستطيع ربطه مع الأطراف الأخرى، ولكن المهم هنا – أن لا تستسلم أبداً – إن هذه الحيرة وذلك الألم يمثلان أهم العناصر اللذان سيساعدانك لإخراجك مما أنت فيه وأخيراً سيقودانك إلى الإجابات الواضحة.
فبعد هذه العملية الطويلة من التفكير والحيرة للإجابة على تلك الأسئلة ستجد إجابات واضحة مع نفسك وستحسم أمرك وسترتاح جداً، ولن تجد نفسك متعباً في فهم تصرفاتك أو الأشياء التي تحصل لك أو التي سوف تحصل وخصوصاً في المجال المهني (لأن هذه الحيرة وهذا الموقع كثيراً ما نجده في الجانب المهني)، خذ على سبيل المثال، قد تجد نفسك في أسوأ حالاتك ” فلنقل أنك مفلس” ولا يوجد لديك قرش لتسير به أمورك، فبالرغم من هذا كله، أنت في طريقك،(هذا مثال بسيط ولا أستطيع أن أُعممه على كل الناس) وواثق من نفسك أن مقولة ” الدهر يومان يوم لك ويوم عليك ” صحيحة، ولا تحس بأن هذه الدنيا ضدك ولا تعاقبك وإنما تعُدك لشيء عظيم جداً أفضل مما أنت عليه الآن.
هذا فقط عندما تكون واضح مع نفسك!

ثانياً:  كيف أكون واضح مع الناس؟

أن تكون واضحاً مع الناس هو أن تضع خطوط عريضة لا يتجاوزها أي أحد، وذلك من خلال حرصك على إخبار الذين من حولك بما تريده بالظبط من نفسك سواء كان هذا من خلال تصرفاتك وأفعالك أو من خلال أقوالك. بهذه الطريقة ستساعدهم :

أولاً: على فهمك: حتى لا تجبر نفسك على تبرير أي فعل أو تصرف تقوم به.

 ثانياً : مساعدتهم ودعمهم إياك في تحقيق أهدافك.

وقد يصل دعهم لك في أبسط الأشياء، ربما بالكلمات التحفيزية وهذا يعتبر دعم معنوي مهم جداً. وستجدهم لا يتتدخلون في المساحة التي خصصتها لتحقيق أهدافك، وفي كل مرة ستجدهم يرسلون لك أشياء مهمة تخص الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها، مطلعين دائماً على تقدمك في نيل ما تريد. إن وضوحك مع نفسك ومع الناس سيفتح لك أبواب كثيرة لم تكن في الحسبان وسيجعلك واثق من نفسك بشأن ما تفعله الآن، وبشأن الأهداف التي تضعها.

الأهداف

الدكتور الرقباوي

الأحد 21 مايو 2017

الهندسة الوصفية هي علم دراسة رسم المجسمات والأشكال الهندسية، كانت مادة تدرّس في السنة الأولي (إعدادي هندسة) في كليات الهندسة وأعتقد مازالت.ـ

ضمن كل التحديات التي كانت في حياة شاب ترك أهله وأنتقل لدخول الجامعة ليعيش بمفرده في مدينة القاهرة، كانت الدراسة في السنة الأولي هي أسهل هذه التحديات بالنسبة لي. ربما لأن كثيراً منها كان تكراراً لما تعلمته في الثانوية العامة في الكويت، وربما أيضا لأنني كنت أعشق الرياضيات والفيزياء والرسم وكانت هذه هي أصعب المواد بالنسبة لزملائي.ـ

لم أكن أمضي وقتا طويلا في المذاكرة قدر ما كنت أقضي الوقت في مساعدة زملائي لشرح الدروس أو لحل المسائل في وقت لم تكن حتي فكرة الدروس الخصوصية في الجامعة موجودة. أصبحت شطارتي معروفة فانعكس ذلك إيجابيا علي تقدمي في الدراسة، ولكنه انعكس أيضا بشكل أكبر علي ثقتي المبالغ فيها في قدراتي العلمية الهشة والتي سرعان ما تحولت لغرور، فبدأت أدخل في نقاشات ومجادلات مع أساتذتي المعيدين. ولكني لم أكن قد وصلت لدرجة مجادلة الدكاترة بعد.ـ

في إمتحان نصف السنة لمادة الوصفية، دخلنا غرفة الرسم لإداء الامتحان وقام الجميع بتثبيت أوراق الرسم علي اللوحات إستعدادا لبدئ الامتحان. بعد قراءتي لورقة الاسئلة تصورت أن هناك خطأ في أحد الاسئلة فذكرت ذلك لأحد المعيدين والذي قال أن الدكتور سوف يأتي بعد قليل يمكنك سؤاله.ـ

كان المرحوم الدكتور محمد الرقباوي هو دكتور المادة ورئيس قسم الهندسة الوصفية في الكلية ، كان معروفا بالجدية وبالحدة في التعامل مع الطلبة جعلت له هيبة مميزة. دخل الدكتور الرقباوي الغرفة فأشار له المعيد علي مكاني، فوجدته أمامي. بدون تردد وبكل ثقة أشرت له علي أحد المسائل في ورقة الاسئلة قائلا أن هذه المسألة غلط. نظر الدكتور الرقباوي لي شذرا ثم وبحركة مفاجئة مزق ورقة الرسم التي أمامي ولم يقل إلا كلمتين……. “إطلع برا”.ـ

غادرت الغرفة مصدوما في محاولة لفهم عواقب هذا الموقف الغير متوقع.ـ

بعد إنتهاء الامتحان خرج زملائي وأجمعوا جميعا أن عليّ أن أذهب للدكتور الرقباوي في مكتبه للأعتذار وإلا فأنني راسبا في الوصفية لا محالة. ذهب عدد منهم معي حتي باب المكتب ولكن ما حدث بعد ذلك كان أصعب من الذي حدث في غرفة الامتحان. فبمجرد رؤيتي، وقف الدكتور الرقباوي منتصبا بعصبية خلف مكتبه وقال بصوت عالي سمعه كل من كان يقف في الممر خارج المكتب “صفر في امتحان نصف السنة وصفر في أعمال السنة علشان تتعلم الأدب، وأبقي قابلني لو نجحت السنة دي” ثم وبصوته الجهوري ختم بمقولته التي سمعتها قبل ذلك……. “إطلع برا”.ـ

كان الموقف مؤثرا جدا وخصوصا علي شخص مثلي كان الغرور قد أعماه.ـ

وعلي الرغم من صعوبة الموقف وإحتمالات التأثير علي مستقبلي، لكني بعد قضاء فترة الحداد علي غروري وكرامتي التي اتمسح بها البلاط أمام الزملاء والاصدقاء قررت عدم الإستسلام وتحويل الموقف لتحدي ووضع خطة لإستغلال فرصتي الوحيدة الباقية وهي النجاح بتفوق في إمتحان أخر السنة.ـ

عندما جاء موعد إمتحان أخر السنة كنت مستعدا. ورقة الاسئلة كان بها سبعة مسائل مطلوب حل خمسة منها فقط، وحل ثلاثة منها بشكل صحيح كان يضمن النجاح. لكني كنت حقيقي مستعدا ليس فقط لحل المسائل بالشكل الصحيح ولكن أيضا بسرعة لأنجاح خطتي في حل السبع مسائل وإبهار الدكتور الرقباوي. وقد قمت بعمل ذلك فعلا ونجحت في الانتهاء من حل السبعة مسائل قبل نهاية الثلاث ساعات التي كانت مخصصة للإمتحان.ـ

لا أدري في الواقع هل فعلا أنبهر الدكتور الرقباوي بأدائي في حل الامتحان أو أنه أصلا نسى الموضوع وقام المعيدين، كما هو معتاد، بتصحيح أوراق الامتحانات، ولكني نجحت في مادة الهندسة الوصفية وبتقدير إمتياز.ـ

علي الرغم من قساوة الدرس، غير أنني أدين للدكتور الرقباوي بتعليمي كيف أفهم ضعفي، وكيف أستطيع تمييز الخط الرفيع الذي يفصل بين الثقة بالنفس والغرور، وكيف أحوّل الفشل لتحدي، هذا طبعا بالإضافة لتعليمي الوصفية.ـ

عربى