الأحد 21 مايو 2017

الهندسة الوصفية هي علم دراسة رسم المجسمات والأشكال الهندسية، كانت مادة تدرّس في السنة الأولي (إعدادي هندسة) في كليات الهندسة وأعتقد مازالت.ـ

ضمن كل التحديات التي كانت في حياة شاب ترك أهله وأنتقل لدخول الجامعة ليعيش بمفرده في مدينة القاهرة، كانت الدراسة في السنة الأولي هي أسهل هذه التحديات بالنسبة لي. ربما لأن كثيراً منها كان تكراراً لما تعلمته في الثانوية العامة في الكويت، وربما أيضا لأنني كنت أعشق الرياضيات والفيزياء والرسم وكانت هذه هي أصعب المواد بالنسبة لزملائي.ـ

لم أكن أمضي وقتا طويلا في المذاكرة قدر ما كنت أقضي الوقت في مساعدة زملائي لشرح الدروس أو لحل المسائل في وقت لم تكن حتي فكرة الدروس الخصوصية في الجامعة موجودة. أصبحت شطارتي معروفة فانعكس ذلك إيجابيا علي تقدمي في الدراسة، ولكنه انعكس أيضا بشكل أكبر علي ثقتي المبالغ فيها في قدراتي العلمية الهشة والتي سرعان ما تحولت لغرور، فبدأت أدخل في نقاشات ومجادلات مع أساتذتي المعيدين. ولكني لم أكن قد وصلت لدرجة مجادلة الدكاترة بعد.ـ

في إمتحان نصف السنة لمادة الوصفية، دخلنا غرفة الرسم لإداء الامتحان وقام الجميع بتثبيت أوراق الرسم علي اللوحات إستعدادا لبدئ الامتحان. بعد قراءتي لورقة الاسئلة تصورت أن هناك خطأ في أحد الاسئلة فذكرت ذلك لأحد المعيدين والذي قال أن الدكتور سوف يأتي بعد قليل يمكنك سؤاله.ـ

كان المرحوم الدكتور محمد الرقباوي هو دكتور المادة ورئيس قسم الهندسة الوصفية في الكلية ، كان معروفا بالجدية وبالحدة في التعامل مع الطلبة جعلت له هيبة مميزة. دخل الدكتور الرقباوي الغرفة فأشار له المعيد علي مكاني، فوجدته أمامي. بدون تردد وبكل ثقة أشرت له علي أحد المسائل في ورقة الاسئلة قائلا أن هذه المسألة غلط. نظر الدكتور الرقباوي لي شذرا ثم وبحركة مفاجئة مزق ورقة الرسم التي أمامي ولم يقل إلا كلمتين……. “إطلع برا”.ـ

غادرت الغرفة مصدوما في محاولة لفهم عواقب هذا الموقف الغير متوقع.ـ

بعد إنتهاء الامتحان خرج زملائي وأجمعوا جميعا أن عليّ أن أذهب للدكتور الرقباوي في مكتبه للأعتذار وإلا فأنني راسبا في الوصفية لا محالة. ذهب عدد منهم معي حتي باب المكتب ولكن ما حدث بعد ذلك كان أصعب من الذي حدث في غرفة الامتحان. فبمجرد رؤيتي، وقف الدكتور الرقباوي منتصبا بعصبية خلف مكتبه وقال بصوت عالي سمعه كل من كان يقف في الممر خارج المكتب “صفر في امتحان نصف السنة وصفر في أعمال السنة علشان تتعلم الأدب، وأبقي قابلني لو نجحت السنة دي” ثم وبصوته الجهوري ختم بمقولته التي سمعتها قبل ذلك……. “إطلع برا”.ـ

كان الموقف مؤثرا جدا وخصوصا علي شخص مثلي كان الغرور قد أعماه.ـ

وعلي الرغم من صعوبة الموقف وإحتمالات التأثير علي مستقبلي، لكني بعد قضاء فترة الحداد علي غروري وكرامتي التي اتمسح بها البلاط أمام الزملاء والاصدقاء قررت عدم الإستسلام وتحويل الموقف لتحدي ووضع خطة لإستغلال فرصتي الوحيدة الباقية وهي النجاح بتفوق في إمتحان أخر السنة.ـ

عندما جاء موعد إمتحان أخر السنة كنت مستعدا. ورقة الاسئلة كان بها سبعة مسائل مطلوب حل خمسة منها فقط، وحل ثلاثة منها بشكل صحيح كان يضمن النجاح. لكني كنت حقيقي مستعدا ليس فقط لحل المسائل بالشكل الصحيح ولكن أيضا بسرعة لأنجاح خطتي في حل السبع مسائل وإبهار الدكتور الرقباوي. وقد قمت بعمل ذلك فعلا ونجحت في الانتهاء من حل السبعة مسائل قبل نهاية الثلاث ساعات التي كانت مخصصة للإمتحان.ـ

لا أدري في الواقع هل فعلا أنبهر الدكتور الرقباوي بأدائي في حل الامتحان أو أنه أصلا نسى الموضوع وقام المعيدين، كما هو معتاد، بتصحيح أوراق الامتحانات، ولكني نجحت في مادة الهندسة الوصفية وبتقدير إمتياز.ـ

علي الرغم من قساوة الدرس، غير أنني أدين للدكتور الرقباوي بتعليمي كيف أفهم ضعفي، وكيف أستطيع تمييز الخط الرفيع الذي يفصل بين الثقة بالنفس والغرور، وكيف أحوّل الفشل لتحدي، هذا طبعا بالإضافة لتعليمي الوصفية.ـ