مرّ وقت طويل منذ أخر مرة قررت أن أكتب فيها شيئا لمدونتي، ويعود الأمر إلى حدّ ما إلى إيماني الكامل بأن أغلب ما أكتبه من البديهيات. ربما سيكون تدويني ذو فائدة أكثر إذا خصصته لترجمة لبعض المقالات التي أقرأها. مع ذلك، أشعر أحيانا بأن هناك نقص عظيم في الكتابات النسوية في عالمنا العربي، لا سيما تلك المكتوبة باللغة العربية. فأغلبنا تعرّف على النسوية من خلال كتابات أجنبية ومقالات بسيطة شعرنا من خلالها بأننا لسنا وحدنا بتساؤلاتنا وصراعاتنا اليومية بين ما يمليه المجتمع وما نشعر به. أعلم جيّدا أننا لسنا بحاجة أن نمر بتلك المرحلة جميعنا بنفس الزخم والتسلسل، ويمكن لإمرأة لم تفتح كتابا بحياتها بأن تكن أكثر إفادة للنساء من إمرأة تلتهم كتاب نسوي كلّ يوم. فكل ما نعلمه ليس ذو فائدة إذا لم نستخدمه لتحصيل وإنتاج المزيد من المعرفة و/أو إبتكار حلول عملية لما نعتبره سبب اللامساواة والتمييز الجنسي. لدينا العديد من الكاتبات اللواتي يعّرفن عن أنفسهن كنسويات، بعضهن يكتب بالعربية والبعض الاخر بلغات أجنبية. الجزء الأول أنتجن كتب تشكل حجر أساس في التراث النسوي العربي (أو الشرق أوسطي/شمال إفريقي) ولو مضى على بعض تلك الكتابات مدى من الزمن جعلها ليست ذو فائدة مباشرة اليوم، أو اكتسبن تلك النسويات بعض الأراء التقليدية عن تعريف النسوية والتي لم تبتعد تماما عن أولى موجاتها (كأراء نوال السعداوي الرجعية عن التبرّج والمثلية الجنسية وبعض المواضيع الأخرى). لدينا أيضا عينة يمكن أن تحتسب من هذه الفئة من النسويات اللواتي يكتبن بالعربية ولكن كتاباتهن تجعل أغلبنا يأخذ مساحة منها لسطحيتها وعدم إعتمادها على تحليل جرىء وراديكالي لأسس ظلم وإضطهاد المرأة، منهن الكاتبة اللبنانية جمانا حداد. شخصيا، أعتبر كتاباتها أقرب إلى خربشات مراهقة تعتمد على عامل الصدمة الذي ينفر أغلب النساء ولا يلمس مواجعهن بأي طريقة. أما النسويات اللواتي يكتبن بالإنجليزية على سبيل المثال، فهنّ إنطقلن من مخاطبة الفتاة والمرأة التي تعيش في المنطقة وتتعرض لنوع خاص من الإضطهاد، وتعدينها ليخاطبن النسوية العربية أو المسلمة التي تعيش في بلاد أخرى (أميركا/كندا/أوروبا/أستراليا..). صراع تلك النساء قد إنفصل الى حد كبير عن صراعنا نحن اللواتي لم نحظى بفرص الهرب بعد ولو كانت قضيتنا النسوية في نهاية الأمر. ما أريد الوصول له هو أني أشعر بحاجة ماسة لوجود مساحات لنساء نسويات يكتبن باللغة العربية عن كل زاوية من قضايا المرأة العربية ولو كانت أغلبها من البديهيات للبعض منّا، فنحن، بالرغم من تزايد أعدادنا يوما بعض يوم، لا نزال بحاجة الى المزيد من التجييش. لهذا خلقت مساحات عصوت النسوة وأصوات وكحل والرائدة وغيرها. لهذا أكتب.

حصل العديد من الحوادث مؤخرا التي دفعتني لأحمل هاتفي وأدوّن ملاحظات غاضبة، وهذه التدوينة ليست ذات هدف أبعد من أن أجمع تلك الملاحظات في كومة واحدة. أعترف بأني عندما بدأت التدوينة، كانت دينا علي قد أعيدت توّها إلى المملكة السعودية بعد أن هربت من أهلها للفيليبين كي تطلب اللجوء في أستراليا. لم أتوقع أن تؤثر قصتها عليّ إلى ذلك الحدّ كونها إمرأة سعودية – وما أعنيه هنا هو أننا كلنا نعرف قمة القهر التي تعشنه النساء السعوديات بسبب نظام الولاية بشكل خاص. وبالرغم من ذلك، لم أتوّقع أن يصل الأمر إلى دفع المملكة بإبرام صفقة مع الفيليبين لإرجاع دينا، بالرغم من فرارها، إلى أهلها، تقييدا وضربا، وحبس صبية ذهبت للإستطلاع عن وضعها في المطار. غاب عن بالي كل ما أعرفه عن تعاقد العائلة مع الدولة ومصلحة الإثنين في إستمرارية النظام الأبوي. سلطة الأب في العائلة ما هي إلا إنعكاس لسلطة الدولة، وأي تقصير في حماية الدولة لتلك السلطة يضعف سلطة الدولة نفسها. أمام مشهد الإعتقال والتكتم الإعلامي عن هذه الفضيحة، وجدنا أنفسنا في صدمة. فأمر كهذا يعتبر إعتيادي، ولكن مروره مرور الكرام في زمن أصبح توثيق إنتهاكات حقوق الإنسان سهل جدّا بسبب وسائل التواصل الإجتماعي هو الصادم. لم تُسمع إستنجادات دينا علي، فبالعكس، سمعنا أصوات رجال ونساء أيدوا إعتقالها وضربها، بل وقتلها حفاظا على الشرف الذي لوّثته عند فرارها. أن تتحمل المرأة الظلم والضرب والقهر هو تعريف الصبر الذي يجعل من هذه المرأة ذات قيمة وتقدير. فإحترام المرأة ليس أولوية أمام صبر المرأة وإستكاناتها في وجه العنف واللامساواة. متى خرجت من تلك الدائرة بإرادتها ورغما عن ظالميها، لا تستحق الرحمة والعطف والتضامن. ليس غريبا إذا أن تكن نساء سعوديات مع قرار إرجاعها، فقوة النظام الأبوي تكمن في قوة الأيدولوجية الأبوية التي يتشربها الشعب، لا سيما نساؤه، كي يخضعن له وهنّ مقتنعات بأن هذا النظام يحميهن ويحمي مصالحهن، وأن الدولة تريد الأفضل للمرأة عبر نظام الولاية، وأن الرجل والأخ والإبن مخوّلين بصون هذه المرأة – الجوهرة – عبر هذا النظام أفضل منها، وإذا كان أحدهم عنيف ومضطهد ومتخلّف فتلك تعتبر مشكلة فردية ومن سوء حظ فتيات تلك العائلة فقط، وعلى فتيات هذه العائلة غير المحظوظات أن يقاومن بالصبر بدلا من التبلي والتعدي على نظام بأكمله. أجيال كاملة من النساء يتشربن هذا الفكر، وبدلا من محاربتهن دائما، علينا أن نحاول التوصل إلى ما يمكنهن أن يشعرن به أو يرين أنفسهن من خلاله.

دينا علي ما زالت محتجزة عند أهلها اليوم، لا نعرف عن أخبارها شيئاّ. أُصدِر القرار الملكي بالسماح للنساء بالقيادة في السعودية منذ بضعة أيام، وظهرت إشاعات عن قانون لمنع التحرّش في المملكة تزامنا مع القرار، ولكن دينا علي لا تزال رهينة التحالف الذكوري بين الدولة والعائلة. نحن نحتفل بكل القرارات التي تصدر مناصرةً للمرأة، إن كانت في السعودية، أو في الأردن ولبنان في إلغاء قانون تخفيف العقوبة على المغتصب إذا تزوج ضحيته، أو في تونس في إعطاء المرأة حقّ الزواج مِن مَن يختلف معها في العقيدة وحقّ التوريث العادل، ولكنا نعّي أن الأنظمة تعطنا تلك الحقوق ليس حبّا بنسائها، بل تمسكّا بالسلطة.

قضايانا متعددة ونضالنا واحد، هكذا احتفلنا بيوم المرأة – العاملة – هذه السنة في لبنان. أذكّر نفسي بذلك دائما. بالرغم من إني فلسطينية لاجئة، لم أعش يوما في مخيّم للاجئين. أزور المخيّمات وأعرف عنها الكثير، ولكني لم أعش تجارب صديقاتي. تحدثني إحداهن عن المخيّم التي أتت منه في أحدى المناطق في لبنان – لا داعي لذكر الأسماء. أغلب ما كانت تعيشه من قهر كان يتعلّق بهوس الأُسر بأمور الزواج، والضغط الذي يُمارس على النساء كي يرضين بأول عريس – أي عريس – يتقدّم لهن. تصنع العائلة من هذه الضغوطات تمثيليات متعددة. كنت أعرف شابّة أجبِرت أكثر من مرّة للخضوع لمشيئة أهلها بما يتعلّق بالخطبة ومقابلة العريس وغيرها من الأمور خوفا على صحّة والديها؛ فالأم تبدأ بالنواح وتلقي بنفسها أرضاً إذا رفضت إبنتها مقابلة الزائر، والأب يبدأ بتذكيرها بأنه يعاني من إضطرابات قلق ولا يمكنه أن يتحمّل ذلك العبء. الذنب من أقسى ما يمكن أن نحملّه للأشخاص الذين يحبّونا، وحسب تقديري، مشاعر الذنب هي السائدة في العلاقات بين الأهل وأولادهم في منطقتنا – إلى جانب العلاقات الإقتصادية طبعا.

في المخيم نفسه، تخبرني صديقة أخرى، العنف الموجّه ضد النساء يتخطّى بمراحل العنف نفسه خارج المخيّم، ويجدر الذكر أن امرأة واحد تموت كل شهر على الأقل بسبب العنف الأسري في لبنان إذا إستثنينا عاملات المنازل الأجنبيات ونساء المخيمات من المعادلة. تلك الصديقة شهدت العنف في منزلها وفي منازل كل الأقارب والأصدقاء في ذلك المخيّم. فالرجولة تُحدد بالضرب، والمرأة التي لا تُضرب هي الإستثناء عن القاعدة. ضرب الأبناء لوالدتهم أو أخواتهم هو أمر طبيعي أيضا. لا تصل أي خدمات حماية للمرأة داخل المخيّمات في لبنان. اللجان الشعبية التي من واجبها تأمين الحماية داخل المخيمات لديها تاريخ من حماية الرجال المُعَنِفين من الملاحقة القانونية، ولو عنّفوا حتّى القتل. تخبرني تلك الصديقة بأنها كبرت وهي تفكّر بقدراتها، كيف تحمي كلّ تلك النساء؟ كيف تنقذ خالتها وعمتها وصديقتها وجاراتها وكل نساء المخيّم من عنف الرجولة؟ كلّها أفكار تجعل المرء يشعر بعجز قاتل. نحن نعي أن الأبوية تقتل، وهي أكثر مباشرة في المخيمات، ولكنّا نعي أيضا أن الدولة اللبنانية مسؤولة عن سيادة العنف بتلك الحريّة، من خلال عزل المخيّم وأبنائه عن الحياة الكريمة، وإقصاء النساء من فرص النجاة.

في نفس البلد، تعيش معنا عاملات المنازل الأجنبيات اللواتي يعملن أكثر من 80 ساعة في الأسبوع غالبا، واللواتي يأتين للبنان عبر نظام الكفالة الإستعبادي لكي يهتمّنّ بإدارة اللأعمال المنزلية مقابل مبالغ بسيطة. يأخذن محل الأم – او المرأة – التقليدي المُتوقّع منها، والمستخف به بطبيعة الحال تحت الرأسمالية، مما يبرر غياب تقديرهن ماديا ومعنويا ومجتمعيا. لكن النساء المهاجرات حققن إنجازات فشلت العديد من المجموعات الأخرى تحقيقه، وهو إنشاء نقابة لهّن وللعمال الأجانب مخالفة للقانون التمييزي ومعادية لنظام الكفالة. إحدى أهم وأقدم الناشطات في حماية عاملات المنازل الأجنبات، ولن أذكر الإسم لدواعي شخصية، رُُحلت هذا الأسبوع إلى بلدها، الفيليبين، على خلفية نشاطاتها. أخبرتني بأنها ستستمر، وأنها ليست النهاية. السنة الماضية، رُحََلت ناشطتان إثنتان بسبب عملها في النقابة، هما سوجانا وروزا. نعي أن لدينا قامع واحد، ولكن أغلب الأحزاب اليسارية وبعض المجموعات النسوية لا زالت تفشل في ضم قضايا تلك العاملات إلى “الأجندة”.

أتمنى أن نكتب أكثر، كنسويات أفرادً ومجموعات، وأن ندوّن تجاربنا ونشارك تجارب الآخرين، نساء وأقليات جندرية وجنسية وعاملات ولاجئات وأجنبيات وأمهات وسجينات وعانسات ومطلقات وإلخ، وأن ندوّن أبسط البديهيات من أجل مراهقة تبحث ولديها أسئلة. من أجل دينا علي. من أجل نساء مخيّمات العالم. من أجل سوجانا وروزا وغيرهن الكثيرات.