الوسوم » ليبيا

لفايثان القرن السابع عشر، والمشهد السياسي اليوم

اللفايثان هو اسم كتاب لـ الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز وضع فيه أساسيات نظرية “العقد الإجتماعي” في مفهومها الحديث. يعد من أمهات الكتب في السياسة وبالغ الأهمية خصوصا أن هوبز كتبه بعد “الحرب الأهلية الإنجليزية” كوسيلة لتجنب تكرار مثل هذه الحرب المؤسفة.

بداية الكتاب ابيستيمولوجية (الفرع المتخصص بالمعرفة في الفلسفة)، أي يحاول الإجابة عن أسئلة مثل ما هي المعرفة أو الأفكار؟ ما مدى معرفتنا بشيء معين والحس والإدراك. وجدير بالذكر أن هوبز التقى بـ “جاليليو جاليلي” في إحدى رحلاته فأخذ عنه منهجه العلمي، فالكتاب متسم بسلسلة مترابطة من الإفتراضات وإستنتاجاتها المنطقية. حيث أنه يعتقد بأن علم الهندسة ومسلماته يجدر بأن يكون لغة فلسفية بذاتها، لأن الهندسة تجد ثباتها في مصطلحاتها المتفق عليها من الجميع، وبالتالي فإن البراهين والحجج المستنتجة غير قابلة للدحض. ومن هنا كان يرى أنه يجب أن نجد أرضية مشتركة بيننا، ولكن هذا الأمر صعب أو “مستحيل” المنال. لماذا؟ الجواب يأتي من هوبز، فهو يعتقد أن الطبيعة التي نلاحظها واحدة، ولكن بسبب الفروقات الجسدية والذهنية والعقائد والمفاهيم فإن كل منا يراها بزاوية مختلفة. بمعنى آخر، إختلاف التجربة يؤدي إلى إختلاف المعنى، وبالتالي لا يمكن الوصول إلى يقين مطلق.

ما الذي يرمي إليه هوبز؟ إنه يقول بأن الحقيقة لا يمكن أن تكون من الطبيعة، لأنها إعتباطية وتختلف من شخص إلى آخر وتؤدي إلى جدل. إذا الحقائق يجب أن تستمد من المجتمع. فهي حقائق لأن الجميع اتفقوا عليها، فهي الخيار الوحيد. أيضا إستعماله للهندسة والمنطق وتأييده للعلم كل ذلك لأنه يريد الحقائق والمسلمات أن تفض جميع انواع النزاع والجدال التي قد تؤدي إلى “حرب أهلية” على سبيل المثال. يرى هوبز ان طبيعة الإنسان هي السعي الدائم وراء السلطة وأن هذا لا يوقفه الا الموت. أو الخوف من الموت أو الأذى فقط ما يدفعهم نحو الجنح إلى السلم. والأخلاق ما هي إلا المفاوضات التي تأتي ما بين السلطة والخوف لتحقيق السلام.

من الكلام السابق، توجه هوبز إلى التحدث عن الإنسان (ما قبل المجتمع) أو ما يعرف لدى البعض بـ (الحالة الطبيعية)، ورغم أن الأمر إفتراضي فقط، ولكنه افترض أن الإنسان عاش في زمن لم تكن فيه سلطة متعارف عليها لتضعه عند حده، فأدى ذلك إلى جنوح كل إنسان، ضد كل إنسان آخر، وهكذا انعدمت الثقافة والملاحة والمعرفة والمعمار والفنون والحروف والمجتمع ككل. والأسوء من كل هذا هو استمرار الخوف وتواصل الخطر من الموت العنيف. وحياة الإنسان سوف تكون وحيدة وضعيفة ومقرفة وبهيمية وقصيرة.

الخلاص يكمن في عاطفتين عند الإنسان وهما “الخوف” و “المنطق”. الخوف يجعل الإنسان يحاول الفرار من هذه الحالة الطبيعية البهيمية. والمنطق يُظهر للإنسان الكيفية التي تجعله ينجح في ذلك. اول نتيجة يستنتجها الإنسان هي، ما أطلق عليها هوبز مصطلح، “قانون الطبيعة”، وهي قاعدة عامة أي أنها بعكس (القانون المدني) يمكن لأي إنسان الوصول لها بالمنطق والفلسفة. وأول قوانينها هو أن الإنسان يجب أن يسعى للسلام بقدر الإمكان، وإن لم يستطع فإنه يجب أن يستخدم كل السبل وبما فيها الحرب لكي يصنع هذا السلام. القانون الثاني ينص على أننا لكي نعيش بآمان وتحضر يجب أن تُسلب منا بعض حقوقنا الطبيعية، مثل أن تقتل شخص آخر، عندما تسلب حقك هذا فإن الآخرون يسلبون حقوقهم في قتلك. ومن ثم يقوم هوبز بإستنتاج قوانين آخرى مماثلة تعتمد كل واحدة على القانون الذي يسبقها وهناك حق واحد لا يمكن التنازل عليه وهو حقك في البقاء أو الحفاظ على الذات.

ولكن على الرغم من ان قانون الطبيعة يسعى للسلام الا أن الطمع الإنساني للسلطة سيجعله يخرق هذا القانون مراراً وتكراراً، لذلك كان يجب وضع سلطة عامة وذات سيادة وهي التي ستجبر الناس على الإلتزام بالعقد الإجتماعي أو القانون. ولكي تكون هذه السلطة ذات مفعول فيجب أن تكون إرادتها مبنية على إرادة الجميع وبذلك تكون هيئة خيالية، أطلق عليها هوبز إسم “اللفايثان” وهو إسم وحش بحري مذكور في “العهد القديم”. أيضا صورة الغلاف هي تجسيد لهذه الشخصية الخيالية “اللفايثان”. ويعطى “اللفايثان” السلطة المطلقة تجعله يفعل أي شيء يراه ضروري لحماية الأمة أو (الناس). جميع حقوق الأفراد أعيرت للفايثان، إلا حق واحد وهو حق الحفاظ على الذات أو الحياة لأنه السبب الأصلي لتأسيس العقد الإجتماعي.

رغم توفر ثلاثة خيارات للحكم السياسي في وقت هوبز: إما ملكية، أو أرسطوقراطية، أو ديمقراطية. إلا أن هوبز فضل الملكية. لأن الملك في رأيه يمثل التجسيد الأقرب للفايثان كشكل السلطة ولأنه العقل الوحيد فإن قراراته ستكون أسرع وحاسمة، وأيضا إستبعاد نشوب حرب أهلية لأن الملك لا يمكن أن يختلف أو يعارض نفسه.

رغم تمتع الدول الغربية بالديمقراطية، الا ان الكثير من المفكرين والسياسيين يرون أن بعض الدول لا تصلح للديمقراطية، ويجب أن تبقى شمولية، ملكية، او تحت نظام دكتاتوري.

على الساحة الليبية هناك أمر مشابه، ورغم تعقيد المشهد، الا أن ليس كل من ينادي بمبادئ الثورة، مدافع عن المليشيات. وليس كل من ينادي بحكم شخص معين، محب للبوت العسكري. وليس كل من يريد استقلال اقليم معين هو انفصالي خائن. وليس كل من يريد اعادة الجماهيرية، طحلوب او الى ما ذلك من المسميات.

أغلب البشر يريدون حياة كريمة، ولكن كل فرد له فلسفته السياسية التي يراها الأنسب لتسيير الحياة من خلال عقد اجتماعي، او دستور، او حكم سياسي معين. ما يجب على الجميع فعله هو النقاش على طاولة واحدة، بدون اللجوء الى العنف.

قلم: معاذ بالخير

فلسفة

عالم ما بعد المطر - قصة قصيرة

“عالم ما بعد المطر”

(1)

كان صوت قطرات المطر كالصدى داخل رأس هوبيان، ما أن غفّى لحظة حتى بدأ ضجيج هطول المطر يقرع كالطبل من جديد. نهض منتفضًا من مكانه بعد أن وقعت دودة عُشب عملاقة فوق كثفه محاولة الالتفاف حول مرفقه.

 وتذكر فجاءة بأن المطر قد توقف.

بدأ كل ذلك قبل عشرات السنين، ربما مِئات السنين، قال لهم أحد كبار سكان القاع حيث يعيش هوبيان بأن المطر لم يتوقف يومًا عن التساقط، لا أحد يتذكر متى بدأت الامطار بالسقوط فهي موجودة منذ بداية الوجود. لكنها في إحدى المرات أمطرت في كل بقاع الأرض ولم تتوقف بعدها. استمرت لأسابيع، ولشهور ولسنوات؛ أخيرًا قرّر البشر بأنه لم يعد بوسعهم العيش معها وأن عليهم الفرار منها إلى قاع الأرض.

«ما هذا الشعاع؟»

 كانت  تلك أول كلمة ايقظت هوبيان في صباح اليوم الأول بعد توقف المطر.

«لا أدري.» قال ذلك وهو يهرع من سريره نحو الشعاع القادم من الثقوب الصغيرة الموجودة في سقيفة المختبر الذي يعمل ويعيش فيه مع رفيقه.

«هل سمعت هذا؟»

«ماذا؟»

انتظرا لحظة في صمت حاد ثم أضاف هوبيان قائلًا: «لا يوجد صوت.» وأضاف بعد ثانية: «لا يوجد صوت طبول قوية في الخارج، إن هذا الهدوء مرعب!»

«أجل! هذا ما أعنيه. لا يوجد أية أصوات إطلاقًا!»

خرج هوبيان مسرعًا هو ورفيقه وكان هناك حشد من سكان القاع، يتجولون داخل ممرات المسكن المظلم الذين يحتمون فيه من الامطار منذ يوم ولادتهم، ويوم ولادة ابائهم واجدادهم. لقد كان التفكير في العالم الخارجي يجسد رعبًا لهم جميعًا، وعبر ازمنة طويلة، كان هناك الكثير من الأشخاص الذين حاولوا الفرار إليه، وحاولوا أيضًا اكتشافه، لكن احدًا لم يفلح بالعودة من عالم المطر. ذلك العالم الخارجي حيث سطح الأرض، تقبع فيه المستنقعات الواسعة، والانهار الجارية، والحشرات العملاقة والنباتات السامة. فهذه المساكن والمختبرات الصغيرة الذين يحتمون في داخلها هي سبيلهم الوحيد ليحظوا بأشعة الشمس الصناعية، حيث يعملون ليلًا ونهارًا على تشغيلها وصيانتها؛ ليتمكنوا من زرع المحاصيل الصالحة للأكل والاستمرار بالعيش.

«هذا جنون. إن هذه الأشعة هي أشعة الشمس!» قال رجل عجوز قصير القامة.

«هذا لا يمكن! المطر يحجب الشمس منذ وقت طويل.» رد عليه عجوز أخر.

«أجل، لكني متأكد من ذلك. استمع لهذا الهدوء يا رجل!»

« الهدوء..»

كان هناك صوت ضجيج بكلمات تنتقل بين الناس من شخص لأخر، وهمهمات الذين مازالوا يتسألون عن تلك الأشعة، حتى صاح رفيق هوبيان أخيرًا: «أصمتوا من فضلكم.»

نظر الجميع نحو هوبيان ورفيقه.. وبعدها صمتوا.

كان الهدوء يحمل نكهة حامضة.. كان مرعبًا وأصاب الجميع بالتوتر، رغم ذلك كانوا جميعًا يحاولون الحفاظ على انفعالهم وقلقهم لينصتوا جيدًا لذلك الهدوء الذي سكن فوقهم.

«الهدوء.. إن هذا الهدوء غريب.. يجب أن يذهب أحدهم إلى الخارج، لنتأكد بأن مصدر هذه الأشعة هي الشمس فعلًا.» قال العجوز القصير.

«هل توقفت المطر حقًا؟» قال رجل من الحشد.

فرد العجوز القصير: «يجب أن نخرج لنكتشف ذلك!»

قالت إحدى النساء: «ومن المجنون الذي سيخرج إلى عالم المطر الخارجي؟»

«لكن صوت المطر اختفى.» همست أخرى.

«هذا لا يمكن أن يحدث أبدًا.»

وصاح أخر: «المطر لا يتوقف.. نحن نموت وهو لا يتوقف!»

«ماذا عن الشمس؟»

استمرت تلك التساؤلات حتى اقترب هوبيان من العجوز القصير وسأله: «هذه الاشعة ليس بوسعها قتلي صحيح؟»

نظر العجوز بارتياب لصديقه الأخر وقال: «بالطبع.. أشعة الشمس لا يمكنها أن تصيب احدًا بضرر مادام يرتدي القناع الواقي إلا إذا تعرض لها بشكل مباشر ونظر نحوها لوقت طويل.»

قال هوبيان: «إذا سوف أخذ إذنًا من المجلس الأعلى بالخروج لأعرف مصدر هذه الاشعة.»

نظر نحو الحشود المجتمعة حوله وقال من جديد: «هل يريد احدًا المجيء معي!»

عادت أصوت الهمسات والهمهمات تعلو وتنخفض من جديد.

(2) 

مشى هوبيان فوق الأرض الطينية الزلقة بحذر، كان يمشي وينتظر بترقب وقوع مصيبة كبرى. في البداية كان منزعجًا من كثرة الأعشاب التي تلف كل شيء من حوله تقريبًا، والحشائش الكثيرة التي تنمو بعشوائية في كل بقعة، وتتدلى من كل شجرة لتغطي طريقه. لكنه اكتشف بعد عدة محاولات من قطعها، بأنها هشة للغاية، إنها فقط لا تتوقف عن النمو بسرعة من جديد. كانت الأشجار نفسها قابلة للكسر بسهولة. ما أن يمسك بغصن شجرة حتى ينفصل عن مكانه بين قبضته الصلبة.

ارتفع بقربه صوت طنين شديد القوة كان يزداد بشكل تدريجي، فبحث حوله بسرعة عن مصدر الصوت وأخد يجري منخفضًا ليختبئ خلف شجرة طويلة، عبرت جموع كبيرة من البعوض “ذو الرأس السهم” فوق رأسه وانغرست بالشجرة التي اهتزت راقصة وتسببت في تساقط قطرات المطر المتجمعة على اوراقها فوق رأسه المحمي بقناع التنفس، و سقط معها بعض البعوض الذي لم ينجو من الاصطدام بالشجرة. نظر هوبيان للبعوض الساقط بشفقة. كان مظهرها يبدو مخيفًا كما لو أنها سامة. لكنه سرعان ما أدرك بأن تلك المخلوقات ليست إلا ضحية اخرى لتوقف المطر، فكل شيء في العالم الخارجي كان هشّ من دونها.

«حسنًا عليّ المواصلة!»

قالها بصوت مسموع كما لو أنه كان يخاطب الشجرة التي احتمى خلفها. ومسك حقيبته بإحكام ومظلته، وواصل السير.

ردد بعض كلمات الأغاني القديمة التي حفظها حين كان يذهب للمدرسة القديمة، المكان الذي تعلم فيه القراءة والكِتابة. فسكان القاع يعلمون جميع أطفالهم القراءة والكِتابة عن طريق الغناء؛ كان ترديد تلك الأغاني لزمن طويل قد جعلها بالنسبة لهم مثل تراتيل نشيد ديني أو دعاء للصلاء لا يمكن أن يمر يومًا من دون أن يرددها احدًا منهم بشكل عفوي على لسانه. كان هوبيان، وعكس الكثير من التلامذة الصغار الذين في عمره، يحب تلك الأغاني بشدة وتعلمها بإتقان. وكان يقول بأنه يريد أن يصبح شاعرًا حين يكبر ليكتب الأغاني ويعلمها للأطفال، لكن هوبيان بطريقة ما غيّر مسار حلمه، وانتهى كمهندس صيانة لمولدات طاقة اشعة الشمس الصناعية وأصبح يقضي معظم وقته في قسم المختبرات. لم يسأل نفسه يومًا كيف انتهى به الحال هكذا، لكن كان يعلم دومًا بأن هناك ما ينتظره، ولم يعرف ماذا كان ذلك الشيء حتى شاهد أشعة الشمس في ذلك الصباح البعيد.

(3)

خرج فريق من المستكشفين الذي اختاره المجلس الأعلى من سكان القاع إلى السطح في نفس صباح اليوم الذي توقفت فيه المطر، وكان هوبيان قد حصل على إذن بالخروج معهم بعد جدال طويل إذ غالبًا لا يسمح للخروج إلا للأشخاص المجهزين جيدًا للإستكشاف، ولأن عدد لا بأس به من الرجال العاديين من أمثال هوبيان، رغبوا في الخروج أيضًا. حلم هوبيان بالخروج هناك منذ صغره، قيل له بأن والده خرج ذات مرة إلى المطر ولم يعد، ولم يعرف كثيرًا عن والده سوى الأحاديث القليلة التي كانت امه تخبره عنها، لكنه الآن قد حصل على تلك الفرصة التي انتظرها طويلًا، الأمر الوحيد المختلف الأن، هو أن هوبيان خرج إلى السطح بعد أن توقفت المطر.

بعد أن تجاوز الباب الرئيسي الذي يحمي مسكنهم تحت الأرض والمحمي جيدًا بالحديد والفولاذ الصلب، أسرع الرجال في حالة من الذهول بعد أن رأوا العالم الأخضر الفسيح من حولهم، العالم الذي غسلته الأمطار لمئات السنين، حتى شحب وذبل، والآن هو ناصع أخضر، وبراق.

«لا تبتعدوا عني.» قال قائد الفريق.

«انظروا، لا يوجد مطر!» هتف احدهم.

«لا أصدق. هل توقفت المطر فعلا؟»

«اسمعوا! أن هذه الاشعة تأتي من خلف تلك الأشجار. دعونا نقترب نحوها!»

تحرك الرجال معًا نحو مصدر الاشعة وكلما ابتعدوا عن الأشجار الكبيرة حتى ظهرت لهم السماء المضيئة، الساطعة. وسرعان ما احتمى أحد الرجال وقال بصوت صارخ: «انها تحرقني!»

«ابتعد عنها.» قال القائد.

احتموا جميعًا تحت ظلال الشجر، وكانوا يحاولون التحديق نحو السماء بجهد كبير، يسترقون النظرات، محتمين بأذرعهم ومظلاتهم.

قال رجل: «هل علينا العودة لإخبار الاخرين؟»

«أجل سوف نعود. لكن علينا أن نكتشف أولًا أين اختفت المطر.» رد هوبيان.

قال واحد أخر: «لا شك بانها توقفت، توقفت وحسب.»

«هذا لا يمكن يا رجل! إن المطر لا تتوقف هكذا وحسب! هل تعلم منذ متى وهي تمطر؟» رد عليه الرجل الأول.

«منذ مئات السنين، ولا بد أن هناك سببًا وراء ما يحدث.»

قال هوبيان لهم بصوت حازم: «من يريد العودة فليعد. أما أنا فسوف أبحث عن مصدر الشمس!»

«لا يمكنك أن تصل الشمس، أنها في السماء هناك ..أنظر!»

«أعلم ذلك لست بالأحمق. لكن يجب أن نكتشف لماذا ظهرت الآن.» قال هوبيان.

«سوف أعود، من يريد العودة؟»

رفع الرجال الثلاثة أياديهم مع القائد. وقال هوبيان: «ماذا جرى لكم! ألا يريد أحدًا منكم القدوم.»

«أسمع يا فتى، لا أحد سبق وأن عاد من العالم الخارجي، هل تعرف لم؟» قال القائد.

«لأن لا أحد يريد أن يعود إلى القاع بعد أن يكتشف هذا العالم الشاسع!» رد هوبيان.

«إطلاقًا، لكن لأن المكان هنا ليس أمنّ بما فيه الكفاية. ونحن لا نريد أن نخسر المزيد من الرجال. ألا يكفينا كم خسرنا؟ عليك أن تعود معنا الأن، وسوف نتشاور مع المجلس الأعلى حول الأمر، بعدها سوف نقرر العودة أم لا.»

نظر هوبيان إلى الرجال الثلاثة الذين معه وإلى القائد. كان الخوف باديًا على محياهم رغم رغبتهم الشديدة في اكتشاف العالم. وكانوا جميعاً لا يريدون من هوبيان أن يواصل المشي نحو الشمس لوحده. لكن هوبيان كان يحدق نحو أشعة الشمس المتسللة من خلف الأغصان، وكان يسأل نفسه بلا توقف «لماذا عادت؟»

(4)

لمح هوبيان بركة واسعة على بعد خطوات منه. كانت مهملة مثل باقي الأدغال المطرية. تقفز منها الضفادع المنتفخة، كانت متخمة بأكل البعوض والذباب الطنان؛ حتى يصعب على بعضها القفز نحو فريسته من شدة بدانتها. توقف هوبيان هناك يتأمل تلك الحيوانات الغريبة عن بعد.. وكان يفكر في اصطياد بعضها ليتأكد ما إذا كانت صالحة للأكل أم لا، بعد أن نفذت كل مؤونته ولم يتبق معه إلا قليلًا من البقوليات الجافة والتي لم تعد تكفيه ليشبع. نظر إلى الضفادع لبعض الوقت ثم قرر أن يواصل التقدم نحو البركة.

بعد أن مشى عدة خطوات نحو البركة، وضع يده فوق الانبوب الزجاجي على صدره الذي كان يحمل نبتة اللبلاب التي يستمد منها الاكسجين الطبيعي.

كانت الانابيب مزودة بالنباتات الطبيعية التي نمت بفضل أشعة الشمس، فبعد أن توقفت المطر بأيام، بدأت تخرج من الأرض تحت بقاع اشعة الشمس المتسربة من السقف، نباتات غريبة الشكل. كان الجميع مذهولًا من ظهورها، فهي لا تشبه النباتات العادية الذي يعيشون على أكلها من اشعة الشمس الصناعية والماء المعقم. لكنهم اكتشفوا بأن تلك النباتات ظهرت بفضل أشعة الشمس وأنها اعادت الهواء الطبيعي النقي إليهم من دون اللجوء إلى أجهزة التنفس الصناعي وهذا جعلهم يتأكدون بأن العالم القديم، بدأ يعود من جديد.

«قطرة .. قطرة .. هكذا بدأت تهطل .. أمطار الشتاء.. واقترب الحزن .. من عيناي..»

غنى هوبيان تلك الكلمات وهو يقترب أكثر وأكثر نحو البركة، ووقف أخيرًا لجوارها. أشتم رائحة الهواء الثقيل، وأستمع لطنين البعوض واليعسوب “الصياد” الصغير الذي كان يحاول الالتصاق بقناع هوبيان قبل أن يبدأ بالتلويح بيده ليطرده.

كان المكان غير صالح للحياة، فلون الماء العكر يميل للخضار والسواد. والحشرات تقفز خارج وداخل البركة. شعر هوبيان بقليل من الغثيان وهو يحدق بكل تلك الأشياء أسفل حذائه الملطخ بالطين وبقايا الحشائش والبعوض “ذو الوجه السهم”. ثم فكر بالعودة ليبحث عن مكان اخر يشق منه طريقه نحو القمة، حيث تكون أقرب بقعة لأشعة الشمس.

ما إن استدار هوبيان وترك البركة خلفه، حتى جاء صوت هسيس قوي مع رفرفة عصافير فوقه.

نظر هوبيان نحو السماء ليراقب الطيور الضالة المحلقة بعيدًا. وبعد لحظة ظهر ظلًا أسود خلفه وانتفضت مياه البركة مرتعشة حتى لامسته.

كان ذلك الشيء الذي ظهر من البركة يختلف عن أي شيء أخر سبق وراه هوبيان منذ لحظة خروجه من القاع. لم يكن مثل الضفادع رغم تشبهه بها. ولم يكن مثل البعوض المجنون الذي يطير بلا وجهة.

التقط أنفاسه وحدق خلفًا من جديد في ذلك الشيء النابض خلفه. وحش عملاق، كتلة ضخمة من اللحم يكسوها الجلد الخشن المصبوغ بالرماد والخضرة وتنبعث منها رائحة كريهة، تشبه رائحة الخضروات المتعفنة والفطريات الطاعنة. كان رأسه يشبه التمساح، لكن جسده خليط بين الضفادع والتماسيح وربما افاعي الماء، مع كرة عملاقة فوق ظهره، جعل التحديق نحوها قلب هوبيان ينبض بسرعة شديدة. لا شك في أن ذلك الشيء كان يعيش في أعماق، أعماق، تلك البركة القذرة. اصدّر الوحش صوت هسيس مرتفع جعل القشعريرة تسري فوق لحم هوبيان الخائف كلسعات الكهرباء الخفيفة.

«مرحبًا!» قال هوبيان بمرح متصنع ومتردد.

فعاد الوحش ليصدر صوت الهسهسة المرعب، ففهم هوبيان بشكل مباشر بأن ذلك الشيء القذر لا يرحب به.

«رباه! »

اصابته الصدمة بالشلل فعجز عن التفكير للحظات، لكنه سرعان ما قفز يجري في الاتجاه المعاكس للبركة، ولسوء حظه بدأ ذلك المخلوق الهجين بالركض خلفه.

ركض هوبيان بكل جهده، وواصل الوحش الجري.

 في البداية كانت المسافة بينهما كبيرة، حتى فكر هوبيان بأن ذلك الوحش اللعين سوف يسأم بعد وقت ويعود ادراجه، لكن المفاجأة بأن سرعة الوحش ازدادت اضعافًا بعد مضي قليلًا من الوقت. لا شك بأنه كان ينتظر قدوم فريسة ليلتهمها. وفكر هوبيان أيضًا بأن ذلك الوحش نفسه سببًا مقنعا يجعل كل الرجال الذين يخرجون إلى عالم المطر لا يعودون.

تخلص هوبيان من حقيبة ظهره، فتركها تحلق خلفه لينقض عليها الوحش بكل قوته ويجعل امتعتها تتطاير متحطمة. لم يكن عند هوبيان الوقت ليقلق حول فقدانه لحقيبته لكنه كان متمسكًا بمظلته بكل قوته، فقد كان خوفه الأكبر في تلك اللحظة أن ينتهي به الأمر بين مخالب الوحش.

تعثر بجدر شجرة ضخم متربص امامه ووقع ارضًا، فقفز الوحش العملاق من فوقه ليصير أمامه مباشرة.

علا صوت فحيح وهسيس الوحش، وأصدر صوت مواء عالي فاحت منه الرائحة الكريهة من جديد. تراجع هوبيان إلى الخلف قليلًا وحاول الوقوف وهو يحمي بذراعه أنبوب الاكسجين خاصته الذي يحتوي نبات اللبلاب، لكن الوحش اندفع نحوه مثل الثور الذي ينقض على الراية الحمراء. للأسف لم يكن لهوبيان حظ الراية الحمراء التي ترتفع في اللحظة الاخيرة، فانقض عليه الوحش بكل قوته واصطدم بمعدته وشخر عليه بعنف شديد، فطار هوبيان كورقة يضربها الريح. ووقع ممتدا على طوله فوق حشائش أدغال المطر واستمع لصوت طنين الذباب والبعوض البعيد.

لقد انكسر أنبوب الاكسجين الذي يحمل نبات اللبلاب والذي يزوده بالهواء النقي.

(5)

تحت اشعة الشمس المتسللة من الثقوب في السقف لاحظ أحد الأطفال وهو يلعب وجود شيء غريب فحاول حفر المكان ليكتشف ذلك الشيء.

«تعالي وأنظري!»

نادى الطفل أمه، ومن ثم اجتمع عدد كبير من السكان حول اشعة الشمس المتسللة التي اعتادوا العيش معها خلال أيام قليلة بعد توقف المطر ليكتشفوا وجود نباتات جديدة نمت حديثًا على بقايا التراب الصالح وقال أحد الفلاحين: ” هذه النباتات طبيعية! إنها أفضل بكثير حتى من النباتات التي نقوم بغرسها في الحقول.»

منحتهم تلك النباتات التي نمت تحت أشعة الشمس، الاكسجين أفضل من أي جهاز تنفس اصطناعي سبق واستعملوه. كان هوبيان هو أول من اخترع الانبوب الذي احتوى نبتة اللبلاب حين رفض المجلس السماح له بالخروج إلى العالم الخارجي مرة أخرى. ولم تمض أيام عديدة، قبل أن يبدأ جميع سكان القاع بالمرض جراء تلك التغيرات البيئية غير المتوقعة.

كان رفيق هوبيان واحد من الأشخاص الذين تعرضوا لتلك الامراض الغريبة التي بدأت تنتشر بينهم، وكان أحد الأشخاص الأكثر الحاحًا بمطالبة الخروج للعالم الخارجي كما هوبيان.

لم يكن جميع سكان القاع يرغبون في الخروج، غالبًا بسبب خوفهم من الشحوب الذي يلفح العالم الخارجي، فحين كانت الامطار لا تتوقف كان السير تحتها لساعات يبدو كجحيم لا يحتمل، لكن لا شيء يبرر خوفهم الآن بعد أن توقفت المطر.

الأمور ازدادت تعقيدًا بعد أن بدأ المرضى بالموت واحدًا تلوى الأخر، وانتشر المرض بين الرجال والنساء أيضًا. حاول الجميع بذل قصار جهدهم لمعرفة الأسباب وانقاذ ما يمكن أنقاذه، لكن في غضون شهور قليلة، لم يتبقى من سكان القاع إلا عدد لا يتجاوز أصابع اليدان مجتمعتان.

حينها عرف الباقون منهم بأن ما يجب أن يفعلوه الآن، هو الخروج إلى السطح. حيث كانوا يأملونّ بأن يجدوا الحياة الجديدة التي تنتظرهم هناك، حتى يتأكدوا بأن العالم القديم-عالم ما قبل المطر-بدأ يناديهم من جديد، وعليهم الخروج من جحورهم المظلمة.

لكن احدًا منهم لم ينجو، ولم يبقى لهوبيان، إلا نبات اللبلاب وقناعه الذي يتنفس به.

(6)

كان صوت قطرات المطر كالصدى داخل رأس هوبيان، ما أن غفى لحظة حتى بدأ ضجيج هطول المطر يقرع كالطبل من جديد. نهض منتفضًا من مكانه بعد أن وقعت دودة عُشب عملاقة فوق كثفه محاولة الالتفاف حول مرفقه. 

وتذكر فجاءة بأن المطر قد توقف.

تذكر هوبيان الآن كل شيء، لا أحد هناك في القاع ينتظره، وأن الجميع قد فارق الحياة. وتذكر أيضًا، بأنه الأن وهو طريح الأرض، بسبب ذلك الوحش الذي ظهر له من العدم، بأن الأنبوب الذي يحمل نبات اللبلاب-رفيقه الوحيد-قد تحطم.

«لن أسمح بحصول ذلك!»

قالها بصوت صاخب مرتفع وهو ينهض، ومسك بمظلته الذي كان يحتمي بها من أشعة الشمس، وحاول استعمالها كمسند للوقوف. نظر صوب الوحش بنظرات ملتهبة من خلف القناع. لم تعد هناك حاجة للإحتماء بالقناع سوى من أشعة الشمس القاسية التي تلوح من الأفق البعيد.

أعاد الوحش شخيره العالي الذي دفع بالطيور للنحيب والهرب. 

وقف هوبيان وهو يحاول أن يجمع أنفاسه، فهرع الوحش صوبه من جديد مسرعًا، وحين أوشك على الاقتراب من هوبيان، نفثت من كرته الموجودة فوق ظهره، مادة لزجة اندفعت منه كالبصاق، ففتح هوبيان مظلته بسرعة ليحتمي بها، فاحترق قماشها وتلاشى بطريقة اثارت فيه الذعر.

شعر للحظات بانه سيعود للجري، لكنه فكر من جديد، مازال لديه سلاحًا أخير، فسحب قماشة المظلة ونزعها بعيدًا، ليخرج من تحتها عصا طويلة، سحب غطاء العصا ليخرج من تحتها سيفًا حادًا طويلًا، كان يحتفظ به لمثل هذه اللحظات، لكنه لم يتصور بأنه سيلجأ إليه في النهاية.

وقف هوبيان استعدادًا لمواجهة الوحش، فهو رغم كل شيء، لم يسبق له في حياته أن استعمل هذا السيف في معركة حقيقة. كانت كل مظلات المستكشفين تزود بمثل هذه الأسلحة، فعادة لا أحد يخرج إلى عالم المطر من دون التدريب الجاد والتمارين القاسية، وفرصة هوبيان بالخروج إلى العالم الخارجي من دون أي تدريبات حقيقية جعلته الآن يشك في قدرته على استعمال السيف.

 هكذا إذن تحرك نحو الوحش من دون خوف وهو يفكر في كل شيء قد خسره حتى هذه اللحظة، وكل الذين ماتوا من سكان القاع، وفكر بأنه لم يعد لديه ما يخسره لذلك سيفعل المستحيل للتغلب على الوحش. وجرى بخفه وقوة، وراح يلوح بالسيف عاليًا وهو يقفز طائرًا نحو السماء، لينقض بعدها مباشرة فوق كرة الوحش العملاقة.

قطعها بالسيف بحركة واحدة.

لكن الوحش ثار من جديد، ليجد هوبيان نفسه يتعرض إلى نطحة قوية أخرى على معدته، وشاهد سيفه ينكسر إلى قطع صغيرة كما انكسرت أحلام سكان القاع عند عودة المطر، كل شيء كان يحلق بعيدًا عنه، سيفه وحياته، جعلته الصدمة يفقد توازنه من جديد ويقع أرضًا. فكر أخيرًا كم من الأشخاص قد فقدوا حياتهم جراء مثل هذا النزاع، هل حقًا مات كل الأشخاص الذين خرجوا إلى عالم المطر، ألم ينجو منهم شخصًا واحدًا، واحدًا فقط؟

نهض هوبيان على ركبته بصعوبة وهو يحملق بالوحش امامه ويبحث عن خطة ليتجنب الاشتباك معه من جديد.

تحول وجه الوحش الغاضب إلى تعابير أكثر قسوة، وأكثر رعبًا. كانت عيناه الآن سوداتان بالكامل، ورائحته ازدادت سوءًا بعد أن فقد الكرة. لم يكنّ يبدو واضحًا أن هناك فرصة حقيقة لهوبيان بالنجاة لكنه بقي يرمي قطع الحجارة الصغيرة المتناثرة أرضًا على الوحش حتى يبقيه منشغلًا.

تراجع هوبيان إلى الخلف، أكثر وأكثر.

ازدادت الآن أشعة الشمس من فوقه واكتشف هوبيان، بأنه قد اقترب من القمة، اقترب من الحافة حيث لا أشجار تحجب الشمس.

وحين اندفع الوحش اخيرًا نحو هوبيان ليفترسه، احتمى هوبيان بكل ما اوتى من قوة. فيما وقف الوحش بكامل جسده فوقه، كان هوبيان يدافع عن نفسه متشبثا بالحياة، وينتظر تلك المعجزة، لكنها جاءت حين سطعت الشمس من خلفه بقوة، جعلت الوحش التعيس يصدر صوت هسيس منقطع الأنفاس وأنين ألم ضعيف.

استغل هوبيان تلك الفرصة ليقوم بركل الوحش بقوة وعنفوان، فحلق الوحش عاليًا، لم يكن يعرف أن كان ذلك بسبب اشعة الشمس أو بسبب الكرة التي قطعها عن ظهره، لكن الوحش سقط من حافة الجرف، وجذب هوبيان معه.. لولا أنه تمسك بسرعة بالصخور الكبيرة وبقي معلقًا في الهواء ويلتقط أنفاسه.

سقط الوحش من الحافة ليلقي حتفه.

حاول هوبيان أن يرفع جسده عاليًا بصعوبة، متسلقًا الحافة ليعود إلى السطح.

كانت اشعة الشمس حارقة، وكان وجه هوبيان قد أشتعل بالحرارة تحت القناع، فما أن استعاد توازنه وصعد إلى الأعلى حتى رمى قناعه بعيدًا والتفت خلفًا نحو اشعة الشمس.

كان ذلك هو الشيء الوحيد الذي لن ينسى هوبيان رؤيته طوال الثلاثين سنة القادمة التي سيعيشها. كانت اللحظة الذي شاهد فيها ذلك العالم الشاسع خلف الحافة، والشمس في منتصف السماء عالية، شامخة، تضئ العالم بأسره، ورأي انعكاسها أسفلًا فوق البحر الحقيقي الذي يراه للمرة الأولى. عرف حينها، بأنه قد عاش طوال حياته مثل بقية سكان القاع محاصرين بالمطر، ولم يدركوا إلا بعد أن خسروا كل شيء، بأن رعبهم من مواجهة المطر جعلهم يعيشون سجناء لذلك الخوف ويفقدون قدرتهم على التأقلم مع الطبيعة التي لم يعرفوا عنها شيئًا سوى أنها أخذت منهم حياة الكثيرين، ولأن سكان العالم القديم فروا منها. 

كانت رؤية العالم الخارجي هي ما جعل هوبيان، يؤمن بأنه سوف يجد اخرين مثله، وبأن سكان القاع ليسوا إلا جزء صغيرًا من عالم كبير عليه أن يكتشفه. ولم يكن اكتشاف ذلك العالم ليكون ممتعًا لو أن هوبيان بقي ضحية لتلك المخاوف التي توارثها من جميع الذين كانوا من قبله، ولولا ايمانه بأن الشمس سوف تنقذه.

كان هناك عالمًا كبيراً، قال هوبيان ذلك وابتسم ابتسامة عريضة غطت وجهه، وقال أيضًا، وهناك عالم ما بعد المطر وعليّ المضي لأجله.

وكان غروب الشمس هو أجمل ما تذكره هوبيان عن ذلك اليوم لبقية حياته.

تمت.

قصة قصيرة

Beheaded Venus

عندما حل ديسمبر

على البيت المتداعي بآخر شارعنا

فشلت المدفئة وقُبل الزوج

بسبب شروخ السقف

في تدفئة أصابع الزوجة الحانقة

فزمجر الرعد

وهطل المطر

وإكتظ المقهى القائم بأول شارعنا

حيث يسرد أوسم رواده كل مساء

ذات النكتة الرديئة

على مسامع حبيبته

التي كانت تصغي لهطل المطر ليلتها

ولم تبتسم

صرخ طويلاً

وتخاصما

وسمعتُهما

من نافذة غرفتي التي تتوسط شارعنا

حيث أجلس أمام الكومبيوتر

أتأمل صورة آلهة الحب بصبراتة

مجاورة بريدي الخالي من رسائلكَ

وأتسائل:

بحق الحب يا ڤينوس، أين فرّ رأسك؟

عربي

عن ورشة عمل أساسيات المناظرة

حاولتُ التّملص في الأيّام الماضية من وعدي بكتابة مقالة عن تجربتي مع ورشة عمل “أساسيات المناظرة” الّتي أقيمت ببلديّة الجّفرة بداية شهر نوفمبر الحالي، محاولتي هذه لم تكن بسبب انشغالي بالدّراسة بقدر ما كانت بسبب خوفي من ألّا أكتب بشكل وافٍ عن أربعة أيام شديدة الكثافة، فبعيداً عن مجالي الدّراسي العلمي وعن قوانين الطبيعة، أنا أؤمن بأنّ بعض الأيّام أشد كثافة وأكثر تركيزاً من الأخرى، وقد كانت أيّام الورشة السّخية بالأخذ والعطاء من ناحية المادّة العلميّة، وباذخة بصداقات جديدة واعدة دليلاً على ذلك.  وهكذا، لذات السّبب الذي جعلني أحاول التّملص، وبسبب شعوري بالامتنان لكلّ من كان جزءاً من هذه التجربة، قرّرت أن أوفِ بوعدي.

أُقيمت ورشة العمل بمدينة هون بتنظيم من المجلس الثّقافي البريطاني بالتّعاون مع جمعية شباب التّغيير الحضاري ضمن المشروع الإقليمي لصوت الشّباب العربي الّذي يعمل على تأسيس منابر للأصوات العربية الشّابة.

قام المدرّبان المعتمدان من قِبل صوت الشّباب العربي ونادي الحوار والمناظرة عبد الرّحمن الزّوبية ومحمد أبو سنينة بطرح المادّة العلمية للورشة بشكل احترافي وممتع على 25 متدرب/ـة من نشطاء المجتمع المدني وطلبة الجّامعات من مختلف مدن الجّفرة.  شعرتُ بالحظ يقف إلى جانبي وأنا واقفة بينهم، فالمعلومات الّتي أغدق بها المدرّبان علينا حفّزت نقاشات شيّقة بيننا كانت غنيّة ومثمرة، كما تخلّلت العشرين ساعة الّتي قضيناها معاً تمارين جماعيّة وفرديّة منوّعة لتعزيز فن الإلقاء لدينا والقدرة على الإقناع والتّحكم في لغة الجسد وسرعة البديهة وما إلى ذلك.  مارسنا المادّة المعطاة عمليّاً كمناظرين وميسّرين لمجموعة من المناظرات التدريبيّة التي تنوّعت مقولاتها، أُقيمت بثلاثة مباني (نماذج) عالميّة قياسية للمناظرة هي: مبنى البرلمان البريطاني ومبنى كارل بوبر ومبنى ميس الممدّد.  كان المدرّبان يعقّبان على أداء الجميع مما ساعد على سرعة التّطور وترابط الحجج المطروحة وقوة فحواها في وقت قصير.

في اليوم الأول وخلال نقاشنا لأهداف المتقدّمين المرجوّة من هذا التّدريب، بحتُ للجميع -بصراحة مع بعض الخجل- أنني لا أجيد إطــالة أحاديثي مع من يخالفني الرّأي، ليس انفعالاً وتعصّباً لرأيي، لكنني ببساطة أفقد اهتمامي بأفكار الرّأي الآخر بسرعة.  لكن
من خلال تجربتي مع برنامج صوت الشّباب العربي، كان عليّ في بعض المناظرات أن أؤيد ما أعارض من أفكار وأن أعارض ما أؤيد، واستطعت في كلتا الحالتين استنباط إيجابيات المواقف الّتي لا تمثّلني، وأخذ سلبيات آرائي الشّخصية في عين الاعتبار بحياديّة أكبر.  المناظرة تجعلنا ندرك كلٌ من مأساويّة التّطرف في قناعاتنا وأهميّة تقدير الرّأي الآخر وتقبّله، ولهذا فإننا كليبيين في أمسّ الحاجة اليوم لنشر ثقافة المناظرة واتّخاذها كأسلوب حياة من أجل تحقيق حلمنا بدولة تحضننا بمختلف توجهاتنا.

شهد حفل الختام الّذي أقيم عشيّة آخر أيّام التّدريب مناظرة علنيّة ساخنة بين 6 من المتدرّبين، طُرحت فيها مقولة “هذا المجلس سيفصل كلّيات بلديّة الجّفرة عن جامعة سرت”، كانت مناظرة حماسيّة جدّاً قُدّمت فيها حجج قويّة أحدثت تغييراً في الرّأي العام للحضور الذي تجاوز عدده المئة.

لا أحد يفضّل قراءة أو سماع الكلمات والأوصاف المبتذلة، لكننا ندرك جميعاً أنّها صارت مبتذلة لسبب ما، حيث يصعب علينا إيجاد ما هو أصدق منها في وصف مشاعرنا العظيمة، لهذا سأكتب بصدق وبكلّ بساطة أنّه يصعب عليَّ تصديق أنّ “20 ساعة فقط” قادرة على صناعة كل هذا التّغيير الهائل الذي شهدته في نفسي وفي الجّميع، وأنّه رغم قصرها إلّا أنّها حضنت الكثير من الذّكريات الجميلة -التي لن أنساها لوقت سيطول كثيراً- جمعتنا مدرّبين ومنسّقين ومتدرّبين، ورغم مرور وقت لا بأس به منذ ورشة العمل إلّا أنّي لا أزال مغمورة بالحب والامتنان اللذان كلّلا آخر أيّام الورشة حين لم يرغب أيٌّ منّا بمغادرة المكان الذي جمعنا كأسرة صغيرة محبّبة.

أخيراً، تقديراً منّا للرسالة العظيمة التي أوصلها لنا المدرّبان ولإيماننا بقوّة الكلمة الّتي نراها الوسيلة الحقيقيّة لصنع التّغيير، فإنّ لقاءاتنا هنا بالجّفرة لم تنقطع منذ بداية الورشة، سعياً لتأسيس نادي بالمنطقة يعزّز من لغة المناظرة والحوار لتشهد بلادنا أخيراً نهاية للتعصّب وللغة السّلاح وليُحدث صوتنا المسموع تغييراً حضارياً سلميّاً يليق بليبيا.

30.نوفمبر.2016

عربي

Finally, Nour get asylum in Sweden

After we had published a report regarding to the status of Homosexuals in Libya, Among the cases that have been subjected to torture and stalking in Libya was Nour,  a transsexual woman, and with the help of Refugees Office of the High Commissioner for Human Rights, she received right to asylum and permanent residence in Sweden after suffering lasted for about two years. 121 more words

مثلية

أخيرا ن.أ تتحصل على حق اللجوء في السويد

بعد ان كنا قد نشرنا التقرير بخصوص وضع الاقليات الجنسية في ليبيا، ومن ضمن الحالات التي تعرضت للتعذيب والمطاردة في ليبيا كان ن.أ المتحولة جنسياَ وبمساعدة مكتب اللاجئين ومفوضية حقوق الانسان تحصلت على حق اللجوء والاقامة الدائمة في السويد بعد معاناة دامت لحوالى سنتين.

قزح حاولت قدر المستطاع من خلال العلاقات مع ناشطين وحقوقين وجمعيات مساعدة ن.أ ، لكن دائماَ يبقى وضع الاقليات الجنسية في ليبيا وبلدان العربية خطر على المثليين/ات والمتحولين/ات  جنسيا حتى تسنح الفرصة للسفر للخارج او تقديم ملفك وقضيتك لمفوضية حقوق الانسان في اقرب بلد الى بلدك الاصلى.

وللأسف لايمكن دائما الاعتماد على اسماء الناشطين او الجمعيات المعروفة في البلدان المجاورة المناصرة للاقليات الجنسية في كل الحالات كما حدث مع ن.أ عندما توجهت الى مصر لطلب المساعدة .

قزح تدعو ايضاَ الاشخاص الليبيين/ات من الاقليات الجنسية الذين هم تحت التهديد و الخطر وبحاجة الى المساعدة والارشاد الاتصال بنا ونحن سنقوم بالمستطاع لمساعدتكم/ن

مثلية

نوستالجيا

لا أجيد ممارسة الأفعال التي تنم عن الإنتماء، ولا الإنتماء يجيد اللعب بردود أفعالي، لكنني كلما زرت هذا البيت العتيق شعرت بالحاجة لملامسة شروخ جدرانه، وللإحساس ببسمة جدتي وغرّة جدتي وحضن جدتي -التي لم أقابلها يوماً- في زوايا المكان.

كلما زرت مدينة هون القديمة شعرت بأنني النخلة المعطاء التي لطالما إقتات عليها سكان المدينة والتي سقوها ماءاً وحباً وغَزَلاً، أو أغنية حزينة صدحت بها حناجر الأمهات وسكنت نسيم الليل، أو تربة زنقة بيت جدّي التي رقص الأطفال عليها حفايا منتشين كل عشيّة، متجاهلين واجباتهم المدرسية التي يكتبونها ليلاً على ضوء الفنار متنشقين دخانه غير نادمين.

عربي