تبكي، تبكي لأنك مقتدر، تبكي لأنك عاجز، أتخيّل المشهد في المشفى/المشرحة الميدانيّة شبكة خطوط تمتدّ إلى اللانهائيّة، قصص لم ترو، وعرة، لا تستجدي أحدًا ليلجها، تلفحها الريّاح بهدوء، تُسند رأسها كأب ينقل بصره على الأطبّاء، بلا اكتراث، بلا حراك، ثم يعاود تصويب ناظريه على ابنه اللافظ أنفاسه، بلا اكتراث، بلا حراك.
طرق أخرى تشبه تلك التي عبّدها رهبان البيرو على أسفح جبال الأنديز، ممهّدة، لكنّها تبقى صعبة المنال، مررنا بها، عرفنا مزالقها وانهياراتها، مضينا نحاول معرفة القصّة كاملة، لكن كما قلت لك، لا نهائية، عبدالله يبلغُ صديقه الطبيب الواقف بجوار ٤ أو ٦ من ملائكة الموت الواقفين على أطراف أصابعهم بين الجثث، يحتضنه ليخبره أن أخاه الأكبر ارتقى، يضحك، يمضي عبدالله باكيًا، يُعتقل، يضرب عن الطعام، يتحوّل لهيكل، قلت لك، قصص لا تنتهي.
طرق أخرى تظهر كزقاق في حيّ منسيّ، تدلف إليه لتبدأ رحلة التيه بين تشعيباته الفرعيّة، بيومي الذي ينتصب على المنصة، نحيلًا، أوهى من زناد رجل في القوات الخاصّة بعد ١٢ ساعة من القتل، يغنّي ليلة الفضّ « يا حبيبتي يا مصر » والجماهير تردد بعنف « يا مصر، يا مصر»، هذا النحيل أجلّت قتله حبيبته إلى يوم رمسيس، تدري أين كانت القِتلة بالضّبط؟ في حنجرته، هناك بالضبّط، في المكان الذي أعلن فيه حبّه، هذه الطريق الضيّقة تدخلك على زوجته التي تبتسم على استحياء، تقول بجذل مرير ” الحمدلله أنا أحسن من غيري، أنا أعرف مكان جوزي الله يرحمه ومدفون فين “، ما يُفضي لزوجة الشهيد هشام قنديل المعتزّة بانتصارها قائلة ” الحمدلله قدرت أكتب سبب وفاة جوزي رصاص مش انتحار ” .
قبل أن تدخل المشرحة/المشفى، يقولون هناك ” جنينة ” ، وفي اللغة، جنّ أي ستر وغاب، ومن ذلك الجنين، والجنّة، الجنينة، جنينة تغيب فيها الحكايا/الأشجار، تتعارك، تتمايل، إلى حد يُسقط أوراقها، كما يصف د.حاتم شلبي ارتقاء الشّهداء أمام عينيه.
صورة شاب يصرخ من معدته، أو أكثر، ربّما هذا الوصف الأدق، بعد سنة ينشرون اسمه : أنس أشرف، مدة الحكم : ١٥ عامًا، بودّي لو أهديت القاضي صورة صرخة الفتى، ليعلم أن الصرخة تلك تنبئ أن الفتى عاش خمسين عامًا من الهمّ، وهذه الـ١٥ عامًا، عيال على مأساته.
هذه القصص المروية باقتضاب، أقمار، من مجموعة، من مجرة، من كون فيه ما يقرب ٢٠ تريليون مجرّة/جثّة، لكن لتكن نُدب تلك الأقمار البادية للناظر، شرخًا في ذاكرته، إلى اللانهائية وما بعدها.