وسوم » مطر

رسالة إلى غريب ... ١٤

رسالة إلى غريب (١٤): .. ليل لا ينتهي

الساعه ٢:١٥ صباحاً، أكتبُ لكَ وأنا بينَ عائلتي، بينَ كُل من عشتُ معهم منذُ صرخةُ البدء، المطر هتاناً على رؤوسنا يُعيدُنا إلى إحساس بعيد بالحياة، أنا لا أشعرُ بالوحدة تماماً ولا أكرهُ هذا المجلس ولكنِ لستُ هنا تماماً، لا أشعرُ بالملل تماماً ولكن أنتظرُ بفارغ الصبر اللحظة التي يأتي بها السائق حتى أعود إلى المنزل.

Hazelnut Skies

إسلام حنيش: موت شاعر شاب

حين فتشوا في ثقوب جثته
وجدوا ثلاث سماواتٍ من الرسائل والأحاديث،
ووجدوا الكثير من المطر.
وفي حفل تأبينه،
صنعوا له تمثالًا من الطين،
ثم صبوا عليه ماء المطر
كتابة

الحب معَ فرق التوقيت

مُنذُ عرفتُها وأنا أقلّدُها. أحُوم حولها كالنسر الذي يتفحصُ ضحيته من بعيد، أتعاملُ معها بحذر حتى أتجنب النظر في عينها،أصبحتُ أقلّدها وأتظاهرُ أمامها أني هكذا كما أنا منذُ ولدت! أرغمتُ نفسي على قراءة الكتب وعشق الرسم واللوحات رغم أني لم أكن يوماً هكذا..
وقرأتُ في تلك الكتب يا مولاتِي كيف أنّ الحب لا يعترفُ بفروقِ الأعمار والأجناس والأعراق والألوان، تُخبرُنا الكُتب كيف أنّ العشقَ قد يُعشّشُ في قلب الشاب والكهلُ والصبي دون تمييز، تقولُ الكتب التي تقرئينها يا عزيزتي إنّ المرء يوم يُغرَمُ لا يفكّر بعقله بل بعاطفته، وأنّ الحُب ليس قراراً نتخذُه، وهو ليس حراماً ولا عيباً.
لا أعرف أهو الحب يا مُجنّنتي ما أشعُرُ به تجاهك؟ أم أنه شعور لذيذ آخر يشبهه؟

أيجدرُ بي أن أخجلَ مما ينبضُ به قلبي الكهل المُشبّع باللامبالاة والرتابة منذُ سنوات ..؟ أيجدُر بي أن أسمح لنفسي بالبوح لك بالفوضى والارتباك الذي سببتِه لي وانقلابِ عاداتي ومشاعري وأفكاري ؟؟ وهل يغفرُ لي هذا المُجْتمع عشقاً متأخراً وصلَ في أواخرِ عمري ؟ وهل تغفرين لي أنتِ؟

ليلة البارحة، بعدَ أن نام الجميع وأغمضتُ عينيّ طاردني صوتك الطفُولي فجأةً . ظهر طيفُك متداخلَ الألوان في منامي .. رأيتُك وأنا نائم وسمعتُك، كنتِ تتأرجحينَ في أرجوحةٍ تتدلى من السماء مباشرة دون سقف، وساقاك متدليتان وسط أكوام من الصخور الملوّنة دون أن تتعثري أو تسقطي .. وكنتُ أنا أراقبُ من بعيدٍ تأرجُحكِ بحرص، انا الرّجل الذي لم يبنِ أرجوحة لابنته يوماً ، ها هو اليوم يتمنّى لو كان بيده أن يبنيَ لك أرجوحةً قماشيّة تكسوها الورود.!

لماذا وجدتكِ الآن وأنا على عتبة الخمسين ؟ أبعدَ قرابة نصفِ قرن من عمري تظهرُ أنثى مثلُك في ماتبقى من حياتي !
لماذا ولدتِ في تلك السنة ولماذا أنا انتميتُ إلى هذا الجيل الكهل؟
لماذا جمعتْ فصول الدراسة قبل زمنٍ بينكِ وبين ابنتي قبل أن تُصبحي أنتِ كما أنتِ..!
أتراها حيلةً من حيل الزمان خبأها لي ليوجعني بها يوم ترتبكُ مشاعري بكِ قبل أسبُوعين فقط من زفاف ابنتي التي بنفسِ عمرك .. ؟!

نعم .. لقد كبرَتْ مها وأصبحت عروساً وكم أنا سعيدٌ بتزويجها ورؤيتها تخرج من بيتي لبيتِ حبيبها، إنها أكبرُ أولادي وأكثرهنّ دلالاُ، مها من نفس عمرك ، لكنّكما مختلفتان، أو ربما أنا الذي أريدُ أن أُقنع نفسي أنكما لستُما من عمر واحد….غريبٌ أنا! كيف لهذا القلب الذي في داخلي أن يكون عجوزا ً وأباً مع مها، وصبياً مجنونا ً يحمل حباً يافعا ً مع أخرى من نفس عُمر مها !؟

لم تُخبرني الروايات المترجَمة والعربية وتجاربُ الحب التي تشجعنا وتدفع بنا للتهور والجنون والاستمتاع بالحب الذي يخلق في قلوبنا، لم تخبرني عن مرارة الخجل من الحب ،أخبرتني فقط عن مشروعيته وبراءته وحلاوته، لم يبرع كاتب واحدُ في وصفِ المهانة والذل الذي يضعنا الحب فيهما، تماماُ كما أشعر وأنا مبتسمُ ببلاهة أمام المهنئين في زفاف مها بينما يحلمُ عقلي بشيء آخر لا يخطر ببال كل المدعوين..

أيها الناس، أنا لم أختر أمنياتي ، لكني اليوم أتمنى لو أني كنتُ شاباً مكان عريس مها وكنتِ أنتِ مكان العروس .. أيجدُر ُ بي أن أكذب؟ سأُخفي الحقيقة لكن لا تجبروني على الكذب. لماذا وُضعتْ أُسرتي بهذا الترتيب القاسي.. تخيلُوا لو أنّ مها كانت أمّي وأنا كنتُ ابنها المدلل الذي من عمركِ أنتِ؟!

لقد مرت سنوات منذُ أن جمعتْكِ فصول المدرسة وساحتُها وحديقتُها بالغالية على قلبي مها.. كنتُ حينها أعيش حياةً رتيبةً لكن هادئة ووادعة ، رغم صمتها وركودِها كنتُ بخير ، لم يكن لي طموحات كثيرة ولا أشياء أشتهيها ، قبلكِ أنتِ لم أكن أقرأ هذه الروايات ولم أفهم اللوحات والفن، والكلام عن الحب، كنتُ راضٍ عن حياتي ..
وأسألُ نفسي .. أترانا التقينا من قبلُ انا وانتِ عندما كنتُ آخذُ مها إلى المدرسة الابتدائية وكنتِ أنتِ تشاركينها ذات الفصل الدراسي؟

تُرى كم مرّة التقت أعينُنا أمام بوابة المدرسة وأنتِ في زيٍ مدرسي وأنا بربطة عنق ؟ ترى كم مرةً مررتِ ركضاً قرب سيارتِي في الأيام الممطرة التي كنتُ أذهب فيها لأنتظرَ ابنتي هُناك ؟ أيُعقل أنْ تكوني يوما مع أولئكَ الأطفالِ المشاكسين الذين تبلّلُ الأمطارُ رؤوسهم وتلتصقُ ملابسهم عليهم من الأمطار ومع ذلك لا يتوقفون عن اللهو والركض تحتها بكل جنون ! أتُراكِ رأيتني يوماً وأنا بربطة العنق العريضة الداكنة ومعطفي البني السميك..؟
لماذا قاسمتكِ ابنتي أيامَ الطفولة وحُرمتُ أنا منكِ !!.. ليتَ مها كانت أمي وأنا الذي كنتُ طفلها لأكون من عمركِ وجيلك، لأحبكِ سراً وعلناً كالأطفال ولا يحاسبني أحدٌ على مشاعرَ انزلقتُ بها دون ذنبي أو اختياري .. ليتني خُلقتُ معكِ لأسابقك تحت المطر الغزير، لنراقب معاً قوس قزح لأحملَ عنكِ حقيبتكِ وأكتبَ بدلاً عنك الفروض والواجبات، لنحلم معاً ونكبرَ معاً ونكتشفَ مشاعرَنا معاً ..

تزوّجتُ قبل أربعِ وعشرين سنة ، تزوجتُ وأنا فتى يافعُ وسيم وهي شابة ذكية ومنظمة وخجولة، لازالت زوجتِي تقاسمني أيامي، لازالت طيّبةً وهادئة، أعتقدُ أن الرجل يمر في فترة معنية من عمره بحالات ضجرٍ حتى من الأشياء التي يحبها .. ياعزيزتي دعيني أخبركِ بشيء، إن الرجل يتوقف عن اشتهاء المراة إذا تذوقها، سيملّ منك أحدهم يوماً ما، سيشعُر ببعض الرتابة من جمالك وذكائك، لكنه قانون الطبيعة يا صغيرتي ، ربما أنا الان أمر بمرحلة ملل من حنانها ونظامها وحديثها.. ربما!

كلانا – أنا وهي- يجيد الصمت والاصغاء لصوت دقات الساعة وطقطقة الملاعق ومضغ الطعام والشخير ليلاً، دون أن نُجيدَ الثرثرة معاً والسير معاً وتأمُلَ شيءٍ معاً ، لسنا بعيدين عن بعضنا لكنّنا لم نعد كما بنفس القُرب كما كنا.. إنّ الذي بينِي وبينها شعور لطيفٌ ودافئ لكني لا أعرفُ إن كان حباً أم لا؟ ليس سيئاً لكن ليس بروعة حبي وولعي بك، أنا في الحقيقة لستُ متأكداً أيُهما هو الحب، دفء مشاعري وراحتي معها أم طاقتي وولهي الخفيُ بك.؟؟

أقول لنفسي إنّ مشكلتي معكِ أننا ننتمي لعالمين مختلفين تماماً، رغم أن الكتب تؤكد دوماً أن الاختلاف أمر جميل وجيّد وليس مشكلة! لكننا مختلفان يا عزيزتي؛ أنتِ من زمنٍ ولدتْ فيه مشاعرُ كثيرة ؛الصداقة والإعجاب والزمالة والاحترامُ والتعلّق بشيء ما بقوّة، والحب الاخويّ والعذري والعشق بمراحله!! كيف لا تضيعون بينَ كل هذه المشاعر المتشابهة؟! أين أنا منكِ من كل هذا يا عزيزتي.
أنا العجوزُ القادم من زمن الحب البريء الخفي الذي لا ينتهي سوى بالزواج ، أو يُدفن وتبقى ندوبه وجراحه رغماً عنّا.

أتُراكِ ظهرتِ الآن ليُكتَب لي في تاريخي يوم وفاتي أني قد وقعتُ في الحب يوماً وجرّبتُ لذته ونشوته ولو خفيةً قبل أن أرحل .. ؟ حتى لا ينطفئ قلبي جافاً يائساً كما انطفأت ورحلت قلوب من قبله في صمتٍ دونَ أن تتذوق نكهة ذاك السكر الذي يسمى الحُب؟!

وما فائدة أن نموتَ ونحنُ عشّاقٌ كتمنا حبنا داخلنا وحملنا صمتنا في جوفنا .. وكم من رجل مثلي ماتَ مكموداً بحب جاء في غير وقته .. وكم من امرأةٍ مثلك تظنّ نفسَها خيّرةً حتى تعلم كم من قلبٍ يتلوىٰ بسببها سرّا .أتُراك تعتقدين نفسكِ امرأةً صالحة وتنامين قريرةَ العين ليلاً ؟! كيف وأنت معاناتي وجرحي وهمّي الذي لن أبوح به سوى للورق يوماً ..”

ن.و

أغسطس 2014

قصص