الوسوم » مقالات صحفية

لنحم المدرسة العمومية، المدرسة التي يجب أن تكون

نشر بجريدة الصباح بتاريخ 19 مارس 2017

قل وندر أن نجد من يعارض، على الأقل في العلن، هذا الشعار المنادي بضرورة حماية المدرسة العمومية ووجوب النهوض بها حتى لا تنهار ويتلاشى معها حق الطفل التونسي في التعليم. ما انفكت الأصوات المستاءة من سوء خدمات المدرسة العمومية والمنددة برداءة أداءها وتدهوره المتواصل تصدح عاليا وخاصة بعد الثورة. لقد تكوّن لدى كل المنتفعين من العملية التربوية من متعلمين وأولياء ومشغلين ومجموعة وطنية انطباع قوي بأن حال المدرسة لم يعد كما كان وأن ثقتهم في جودة أداءها تخلخلت أو لعلها انعدمت. وفي غياب التدقيق العلمي، الكمي والكيفي، لجودة أداء المدرسة العمومية، انقسمت الآراء والمواقف وبات أمر حماية المدرسة العمومية مطلبا سياسيا ترفعه عدة مجموعات مهنية وغير مهنية في غياب الموقف الرسمي للدولة التونسية الذي يتجنب السياسة التقييمية الرسمية ويفضل الانطباع ورفع “تحديات سهلة” منزوعة النزاع مثل “تحدي” ما اصطلح تسميته بإصلاح البنية التحتية للمدارس.

تلقفت بعض الأطراف هذا الشعار وحاولت التسويق له لغايات أخرى ولأجندات خاصة. يوجد مثلا من سوّق لهذا الشعار، الشعار المنادي بضرورة حماية المدرسة العمومية، من يهدف إلى إقصاء المنتفعين من التربية عن الفضاء التربوي، متعللين بوجوب المحافظة عليه من كل دخيل، ومن كل من ليس له مكان أو دور واضح في المدرسة. ويبدو أن هذه الفكرة تستند أساسيا على مبدأ “قدسية” المدرسة وطهارتها ووجوب حمايتها من أي عنصر لا ينتمي لأضلع المثلث الكلاسيكي من متعلمين ومربين وإدرايين. ويوجد كذلك من المربين من استعمل هذا الشعار ليمرر حقه المطلق والحصري في سن السياسات التربوية الجديدة بدعوى أن المربين دون سواهم هم المؤتمنون على المدرسة العمومية وأنهم المعنيون بتردي الأوضاع بداخلها بما أنهم في الخط الأول لا فقط لرصد التغييرات ولكن خاصة لتحمل نتائجها وانعكاساتها. ولعله يتوجب على كل معلم أو أستاذ يعتقد أنه من حقه ولوحده سن السياسات والقرارات المهمة أن يتساءل هل أنه قادر على تحديد كل المتغيرات المتعلقة بالشأن التربوي لأنه موجود في القسم والساحة وقاعة الأساتذة؟ وإن وعى بكل المتغيرات هل هو قادر على استقراءها وتحليلها التحليل الجيد والصحيح؟ وإن تمكن من النجاح من الخطوة الأولى والثانية فهل يستطيع أن يقنع زملاءه بملاحظة ما لاحظ واستنتاج ما استنتج؟ وإن نجح في الأولى والثانية والثالثة فما دليله أن الأولياء والمشغلين والمجموعة الوطنية موافقين على توجهه ومؤيدين له؟

كما تلقفت أطراف أخرى هذا الشعار وحولته إلى مطالب عدة منها غلق المؤسسات التربوية الخاصة حتى لا تجد المدرسة العمومية منافسا لها ويضطر بذلك الأولياء لإرسال أبناءهم للمدارس العمومية فتطور هذه الأخيرة وتزدهر. وكثيرا ما يعتقد المنادون بهذا الشعار أن عدم حماية المدرسة العمومية يؤدي إلى اندثارها بما أنها غير قادرة على المنافسة مع المدارس الخاصة وخاصة الأجنبية منها حجتهم في ذلك ما آل إليه النسيج الصناعي التونسي بعد فتح السوق التونسية للبضائع الأوروبية على إثر توقيع عقد الشراكة بين تونس وأوروبا.

كما التف بعض المتحزبين على هذا الشعار وجعلوا منه ذريعة للتباكي على الماضي المجيد والعصر الذهبي للمدرسة البورقيبية على حسب تسمية بعضهم لها. وقد تعمدت فئة منهم إلى الاتهام الصريح والضمني لحكومات ما بعد الثورة، ويتهمون بالأساس حكومات الترويكا، بالتفريط في الإرث الوطني المتمثل في مكاسب المدرسة العمومية. وإن تعنت هؤلاء التجمعيين، عفوا الدستوريين، في اعتبار ما أنجز في التربية والتعليم العالي على مدى 55 سنة من حكم الجهورية الأولى على أساس أنها إنجازات ليس لها مثيل فليس بوسعهم أن يتمسكوا بالمنوال التربوي للجمهورية الأولى، إن كان هنالك منوالا أصلا، وفرضه الآن كقدوة ومثال ونحن نجابه تحديات داخلية وخارجية تستوجب حلولا مختلفة ومقاربات عصرية.

ولعل القائمة لمستعملي هذا الشعار تطول وتطول ولكل فئة منهم أجنداتها الخاصة وأهدافها المعلنة والمخفية، ولكن بما أن المدرسة العمومية ليست ملكا للعاملين بقدر ما هي ملك كل المنتفعين فأظنه قد حان الوقت لرفع الشعار المنادي بضرورة حماية المدرسة العمومية لنعني به شيئا واحدا وهو حماية المدرسة العمومية لا بوضعيتها الحالية ولا بالوضعية التي كانت عليها ولكن بالوضعية التي نود أن نراها فيها. حري بنا جميعا أن نربأ بهذا الشعار من أن تصادره فئة على حساب فئة أخرى ومن أن تستغله أي فئة  في الاستحواذ المطلق على عملية سن السياسات التربوية ولا في حرب التراشق بالتهم والإطاحة بالخصم. دعونا نوحد صفوفنا للنهوض بهذه المدرسة العمومية التي يجب أن تمنح كل طفل تونسي لا الحق في التعليم ولكن الحق في التعليم الجيد.

لا يمكن لأي إصلاح تربوي أن ينجح وهو يرتكز على فكرة أن التربية والتعليم خدمة تقدم لعدد من المتلقين الذين لا يحق لهم إلا أن يشكروا الدولة (وعادة ما يشكرون الرئيس) على جهودها وأن يغضوا الطرف عن كل تقصير أو أخطاء قد يقع فيه صانعي القرار التربوي بمختلف أنواعهم أو منفذوه. لا بمكن لأي إصلاح تربوي أن ينجح ونحن نصر على أن التربية هبة من الدولة الراعية نشكر عليها السيد الرئيس والسيد الوزير والسيد الوالي إلى آخر مسئول في سلسة المقررين (chain of command) لا يمكن لأي إصلاح تربوي أن ينجح ونحن نستند إلى جملة من الآراء والمعتقدات البالية والمهترئة لعل أبرزها أن الشأن التربوي شأن السيد الحاكم والحزب الحاكم الذي يريد أن يبيع كل قرار يستنسخه من الشمال وكأنها أمهات الإنجازات في بورصة الإستبلاه السياسي. إن التربية شأن المنتفعين يموله دافعي الضرائب وتسهر الدولة على حسن تسييره وفق رؤية وأهداف يحددها ويقرها المنتفعون. إما أن نتفق على هذا المبدأ وإما أن نعيش ولسنوات الشعارات الفضفاضة  تلو الشعارات والقرارات المرتجلة تلو القرارات والإصلاحات الخاوية تلو الإصلاحات والخيبات الكبيرة تلو الخيبات.

مقالات صحفية

الإصلاح التربوي: حتى لا تضيع الفرصة مرة أخرى

نشر بموقع ليدرز بتاريخ 10 أكتوبر   ar.leaders.com.tn/…/1204-الإصلاح-التربوي-حتى-لا-تضيع-الفرصة-مرة- أخرى2016

ترتفع الأصوات في الفضاء العام والخاص منادية بضرورة إصلاح التربية والتعليم العالي مرددة لانطباعات يتفق عليها جل العاملين والمنتفعين، متحسرة على التدهور الكبير الذي يعاني منه التعليم في تونس بعد أن كان مفخرة كل عائلة تونسية وأملها في الصعود الاجتماعي. إلا أن المتابع لهذا الشأن العام والحساس لا يمكنه إلا أن يخلص إلى الملاحظات التالية:

أولا، لا يبدو أنه هنالك الإرادة السياسية الكافية للدفع بمشروع إصلاح شامل في حجم توقعات العاملين والمنتفعين من التربية والتعليم العالي ولعل هذا أمر متوقع في ظل غياب الرؤية الرصينة والمتبصرة لواقع التربية والتعليم ولمستقبلهما. لعله من المفيد التذكير، مرة أخرى (أنظر على سبيل المثال مقال هل نحتاج إلى كلية تربية؟ نشر بجريدة الصباح بتاريخ 4 فيفري 2010)، أن غياب كلية تربية في تونس لا يعني إلا تشرذم البحث التربوي الذي يقام على أسس علمية وانحساره في محاولات فردية مبعثرة لا تسمن ولا تغني من جوع عند اتخاذ القرار المبني على التقييم العلمي والتحليل الموضوعي للواقع التربوي كما هو وليس كما نريده أن يكون أو نشتهيه أن يكون أو كما يقدر أو يقرر له الخبير الأجنبي أن يكون. يصعب دعم مشروع إصلاح شامل لا يقيس الواقع بكل عيوبه وحسناته وإنما يستأنس بتجارب البلدان الأخرى وبدراسات الهيئات العالمية  عن الحالات المشابهة وعن نظريات التغيير التربوي وعن الممارسات الجيدة. وهذا مما يزيد، وبكل بساطة، من نسبة فشل مشاريع الإصلاح التي تسقط على الواقع حلولا ليس له بها من سلطان. في هذه الحالة، من ذا الذي يتحمل مسؤولية فشل مشروع إصلاح آخر بعد أن عشنا الخيبات المتتالية على الأقل لإصلاحي 1991 و2002؟

ومن المرجح أيضا أن تنتهج الحكومة منهج الحذر في تبنيها لمشروع الإصلاح الشامل ليقينها أن الإصلاح مكلف وأن الظروف الاقتصادية الحالية ليست بالجيدة ولا تشجع على الإصلاحات الشاملة. فلقد انطلق الحوار الوطني بعد أن صادق مجلس النواب على عدد من مشاريع القوانين حول اتفاقيات قروض للمساهمة في تمويل مشروع تعصير المؤسسات التربوية بقيمة جملية تقدر ب320 مليون يورو مما سيمكن من إحداث 59 مؤسسة تربوية جديدة وتحسين 310 مؤسسة ابتدائية وإعدادية وثانوية ومبيتات ويساهم البنك الأوروبي للاستثمار بقرض يقدر ب70 مليون يورو يدفع على مدى 20 سنة. فهل كان من الأجدى عدم رفع سقف توقعات المواطن في إصلاح تربوي شامل بما أننا لم نقترض إلا ما يكفى للبناءات وللبنية التحتية؟

ولعل الأحزاب السياسية تتحمل كذلك جزءا من المسؤولية السياسية إذ لم نسمع لها رأيا ولا صوتا يجهر باقتراح لخارطة الإصلاح أو يتبنى وجهة نظر معينة أو يرجح رأيا على آخر. من المؤكد أن لكل حزب مهما كان حجمه ووزنه في الخارطة السياسية برنامجا للتربية ورأيا وموقفا من إصلاح التربية والتعليم بغض النظر إذا ما كان رأيه هذا مستمدا من إيديولوجية معينة أم لا. يبدو أن الأحزاب انسحبت طواعية من النقاش العام حول الإصلاح التربوي ومن الممكن أنها تنتظر اللحظة المناسبة للتدخل ومن الممكن أيضا أنها فضلت الصمت لأنها تخشى من هجوم فئة معينة دعت ولا زالت تدعو إلى “عدم تسييس القرارات التربوية” وإلى “ترك شأن التربية للتربويين”. ولعل واقع الفعل السياسي المعارض الضعيف والمتخافت وراء عدم قيام الأحزاب خارج السلطة بدورها المدني في نحت مشروع تربوي يرقى إلى تطلعات المنتفعين وارتهانات المرحلة.

أما الجمعيات المهتمة بالشأن التربوي فقد انطلقت فرادى وأحيانا في مجموعات صغيرة لتناقش الشأن التربوي وتقترح الإصلاحات التي ترتئيها. لم يرتقي المجهود المبذول بعد إلى مستوى خلق كتل ضاغطة تصيغ المقترحات وتؤثر في القرارات. ويبدو أن هذه الجمعيات ولأسباب عديدة ولعل أهمها إصرار دولة الاستقلال على تطويع الجمعيات إلى موالي ومعارض، لا تزال تنظر إلى وزارة التربية أو التعليم العالي على أساس أنها المسئولة الأولى عن الإصلاح وأن دورها لا يزيد عن المساندة أو المعارضة. وهنا تكمن العلة إذا أننا إذا ما أردنا أن نصلح هذه الميادين فإنه من الضروري ألا نتوقع أن أمر الإصلاح مسؤولية الوزارة وأن منتهى أمل بعض الأفراد أو الجمعيات أن تنال رضاء صناع القرار فيقربونهم إليهم. لا يبدو أننا نعي الدرس الأول في الديمقراطية وهو أنه لا توجد ديمقراطية من دون مشاركة ولا ينبغي لهذه المشاركة أن تقتصر على “تشريك” بعض الأفراد ولا على الاستشارات. يجب أن تشمل المشاركة أكبر عدد ممكن من المواطنين وخاصة من الشباب الذي يبدو مغيبا تماما. لا يمكن أن نتحدث عن سلم اجتماعية وعن تماسك النسيج الاجتماعي وعن عدم إقصاء الجهات أو الفئات الاجتماعية ونحن لا نمكّن المواطن من التعبير عن رأيه في كل المسائل التي تخص حياته اليومية. لقد عشنا في الفترة المنقضية على شعارات رفعت حول المسكن اللائق والتضامن الاجتماعي وأثبتت هذه السياسيات فقرها وفشلها لعدم تشريكها للمواطن التشريك الفعلي. فهل نعقد العزم على التأسيس لديمقراطية فعلية ومستدامة وأن نغير من مفهوم المواطن المستهلك إلى مفهوم المواطن الشريك ؟

مقالات صحفية

من يمتلك الجامعة التونسية؟

مقال نشر بموقع ليدرو بتاريخ 20 سبتمبر 2016

ar.leaders.com.tn/article/1163-من-يمتلك-الجامعة-التونسية

أود أن أشير في البدء أن مفهوم الجامعة في تونس مفهوم فضفاض يختلف من شخص إلى آخر وحتى من وثيقة رسمية إلى أخرى. لو سألت أي ولي أين يدرس ابنه أو ابنته فقد يجيبك فورا في الجامعة وهو يشير بذلك إلى أن ابنه أو ابنته قد أنهى الدراسة الثانوية وانتقل إلى الدراسة في مؤسسة من مؤسسات التعليم العالي. وهذا تعريف شامل للجامعة كمكان لمرحلة دراسية تلي المرحلة الثانوية. أما بالنسبة للعاملين في القطاع، فعادة ما يستعملون لفظ الجامعة للإشارة إلى المؤسسة التي تشرف على عدد من مؤسسات التعليم العالي والتي تربط بين وزارة التعليم العالي، وزارة الإشراف، وبين هذه المؤسسات.

وإن كان كلا التعريفين صحيحا جزئيا إلا أنهما لا يفيان التعريف “العلمي” للجامعة حقه. فللجامعات أدوار ثلاثة متفق عليها وهي التعليم والبحث وخدمة المجتمع ولا يمكن أن تسند صفة الجامعة على أي مؤسسة تعليم عالي أو بالأحرى مجموعة من مؤسسات التعليم العالي إلا حين قيامها بكل أدوارها الثلاثة معا بغض النظر إذا ما تتميز أو تقصر في أحد هذه الأدوار أو في جزء منها أو في كلها.

بُنيت الجامعة التونسية في منتصف القرن الماضي على أنقاض التعليم العالي الزيتوني وعلى نواة للتعليم العالي التابع للجامعة الفرنسية والذي كان يؤمه أساسا أبناء الجالية الأوروبية وعدد قليل من الطلبة التونسيين، يدرسون لسنة أو سنتين ثم يلتحقون بإحدى الجامعات في فرنسا لإكمال دراستهم. ألغي التعليم الزيتوني ووقع تطوير نواة التعليم العالي الفرنسي إلى الجامعة التونسية التي آلت على نفسها أن تستنسخ نظام التعليم والبرامج للمنوال الفرنسي. كانت الدولة التونسية تروم تأسيس جامعة حديثة عصرية توفر كوادر الدولة وتفي حاجتها إلى الموظفين وأصحاب المهن الحرة. كان هدف الدولة في العشرية الأولى بعد الاستقلال هو أولا تونسة الشهادات العلمية وثانيا تونسة إطار التدريس كجزء من تونسة كل إطارات الدولة في شتى المجالات. وتأسست مختلف الكليات والمعاهد العليا لتلبي مختلف الاحتياجات لمختلف الاختصاصات. ومع ازدياد عدد الطلبة والمؤسسات تقرر إنشاء الجامعات والتي تضم أساسا عددا من المؤسسات الجامعية المتقاربة جغرافيا إلى مؤسسة تسمى بالجامعة وتعمل كما ذكرنا على الربط بين وزارة الإشراف والمؤسسات التابعة لها.

تبلغ ميزانية التعليم العالي حوالي 6 بالمائة من ميزانية الدولة ويُصرف معظمها على الأجور. وبذلك تبدو الإجابة البديهية للسؤال المطروح في عنوان المقالة أن الدولة التونسية هي من تمتلك الجامعة التونسية ولعلنا الآن نحتاج أكثر من أي وقت مضى أن نتساءل عما إذا ما وجب مراجعة نظام التعليم العالي مراجعة جذرية والبدء بطرح أسئلة بسيطة حول عدة أمور لطالما بدت أجوبتها وكأنها بديهية منها من يمتلك الجامعة التونسية. .

كان من الحتمي أن تمتلك الدولة التونسية نواة الجامعة التونسية وكل المؤسسات التي أسستها لاحقا وذلك أولا وبالذات لأن الدولة التونسية اختارت نموذج الدولة الراعية وثانيا لأن الدولة التونسية أسست مؤسسات التعليم العالي على حسب منوال الجامعة الفرنسية. وقد ارتأت الجامعة الفرنسية في فترة ما من تاريخها التزام الدولة بدفع أجور الأساتذة كحل أمثل ووحيد للتخلص من براثن الكنيسة والانفلات من قبضتها كالراعي الأوحد والممول التقليدي للمعرفة وسبل نشرها وبذلك أصبحت الجامعات الفرنسية مملوكة تدريجيا بصفة كلية من طرف الدولة. واليوم بعد 60 سنة من الاستقلال وبعد أن خرجت الجامعة التونسية كوادر الدولة بأعداد لا تفي فقط حاجتها  ولكن تزيد عنها في بعض الأحيان أضعافا مضاعفة، يجب أن نتساءل هل يجب أن تستمر الدولة التونسية في امتلاكها المطلق للجامعة التونسية فتقرر برامجها وتنتدب أساتذتها وتوجه طلبتها وتضبط وجهتها وتحدد رسالتها وتؤثر في توجهاتها البحثية وتأمر وتنهي وتعزل وتولي وتراقب وتتفقد وتكافئ وتعاقب؟

إن الدولة التونسية وهي تقرر الميزانية العامة وتحدد ميزانية التعليم العالي إنما هي في حقيقة الأمر تقرر أموال دافعي الضرائب ويفترض أنها تمثل كل شرائح المجتمع التونسي على درجة متساوية من الحيادية وأنها تتخذ القرارات والخيارات الجامعية لفائدة الشعب التونسي وهو المستفيد الصامت من التعليم العالي الذي لم يكن له صوت يسمع عند اتخاذ القرارات المصيرية شأنه شان سائر المستفيدين من طلبة وأولياء ومشغلين. أليس حري بنا أن نجيب عن سؤال من يجب أن يمتلك الجامعة التونسيين بجواب بسيط ألا وهو المستفيدون هم من يمتلك الجامعة التونسية؟

لا يمكن لجامعاتنا أن تنتقل من هياكل إدارية لتسيير التعليم ما بعد الثانوي إلى جامعات بالمفهوم العلمي للكلمة وهي التي صادرت وزارة الإشراف جل مهامها الكبيرة وأوكلت إليها مهام تسيير المهام الصغيرة وتنفيذ العليمات الظاهر منها والمخفي . ولا يمكنها أن تضطلع بهذا الدور وهي التي لا توفر فضاءات حوكمة يكون لكل مستفيد من مستفيدي التعليم العالي صوت له أن يناقش ويطلب ويقرر ويساءل.

وقد عاملت دولة الاستقلال مواطنيها وكأنهم قصر لا يفقهون الطيب من الخبيث ولا يعرفون أين تقع مصلحتهم وقررت عوضا عن المتعلم، والولي، والمشغل، والمجموعة الوطنية ماذا يدرس المتعلم، ولماذا، ومتى، وكيف، وأين، وبأي لغة. ولكي تتمكن من إحكام قبضتها على المجال التربوي ألغت الأحباس، وأغلقت جامع الزيتونة فانقرضت الجمعيات الخيرية العاملة في القطاع ولم يعد للمجتمع المدني أي دور يذكر. واستسلم المواطن راضيا مرضيا لحلم التعليم العصري وسراب التنمية والحرب على الفقر والأمية والتخلف. وإن لا يسع المجال لتقييم كل الخيارات التربوية لدولة الاستقلال إلا أنني لا أرى مطلقا كيف يمكن لدولة افتك فيها المواطن حرية التعبير ويطمح فيها الشباب لنظام حكم تشاركي ديمقراطي لكل مواطن فيه مكان وصوت أن تحتفظ بنظام تعليم عالي سلطوو  أفقي أقل ما يمكن أن يقال فيه هو أنه لا يمكن أن يخرج ديمقراطيين بما أن القرارات التي تأخذ في شأنه تفتقر إلى أبسط قواعد الديمقراطية.

وببساطة، المستفيدون من التعليم العالي هم ولوحدهم من يمتلكون الجامعة التونسية.

مقالات صحفية

أين ويكيف يطبخ القرار التربوي؟

مقال نشر بجريدة الصباح بتاريخ 19 فيفري 2017

ارتفعت عدة أصوات، بعيد الثورة، منادية باستقلالية القرار الوطني فيما يخص التربية والتعليم العالي ومنددة بتدخل أي طرف أجنبي في قراراتنا التربوية الوطنية. ومن الطبيعي أن يلاقي هذا المطلب قبولا حسنا من طرف أغلب العاملين في القطاع ولكن كذلك من طرف أغلب المنتفعين منه ومن كل الوطنين إلا أن هذا المطلب ينبني على مغالطة جوهرية. إن القرارات التربوية الوطنية وإن كانت انعكاساتها المباشرة وغير المباشرة تعني أساسا أبناء الوطن الواحد إلا أنها تمر بموجات “موضة” دولية وكذلك بضغوطات عالمية تجعل من أخذ القرار في تلك المرحلة بالذات وكأنه أمرا حتميا ولا مفر منه نظرا لفوائده الجمة ولمردوديته الهائلة.

أُحدِثت دراسات السياسات العامة كمبحث أكاديمي في خمسينيات القرن الماضي، وأنشأت لذلك أقسام دراسة السياسات العامة في بعض البلدان الديمقراطية الليبيرالية كحل لتعويض الطريقة الهشة والاعتباطية التي كانت تسن بها السياسات العامة. وأصبح بذلك الباحثون يستعملون الطرق العلمية لقياس السياسات بدل الدخول في متاهات سن السياسات ثم التخلي عنها عند الوقوف على هناتها أو عدم نجاعتها. ولعل هذه الدراسات في غاية الأهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالسياسات التربوية نظرا لطبيعة العملية التربوية التي تتكلف قراراتها الخاطئة وعللها غاليا على المجموعة الوطنية بما أنه يصعب وحتى يستحيل تبين هذه الأخطاء منذ الوهلة الأولى بل وقد يتطلب الأمر جيلا بحاله في كثير من الأحيان.

لا تتوفر هذه الأقسام في كل البلدان ولم تفكر العديد من البلدان حتى في إيجادها وذلك لعدة أسباب ليست بالضرورة قدرتها الاقتصادية ولكنها تتصل أساسا بتصورات أصحاب القرار التربوي وخاصة في البلدان المستهلكة للمعرفة لا المنتجة لها.

إذا ما تفحصنا القرارات التربوية منذ الاستقلال إلى الآن، وجدناها قرارات اتخذت مجملا لتجسيد منوال يقطع أساسا مع الموروث التربوي ويؤسس لمدرسة “عصرية” نسخت نسخا عن المثال الفرنسي وتمادت محاولات تقليد أو استنساخ المنوال الفرنسي لسنوات عديدة على الأقل إلى حدود سن القانون الإطاري للتعليم العالي لسنة 2008. ولم يقع البتة التشكيك في عمليات الاستنساخ ولا حتى التفكير في تقليد منوال آخر أو في ضرورة أو فوائد تقليد نماذج أوروبية أو عالمية أخرى ناهيك عن التفكير في نموذج تونسي للتربية والتعليم. لم تكن تونس البلد العربي ولا البلد الإفريقي الوحيد المستثمر في التربية ولم نأخذ حتى فرصة للتفكير في اختيار النموذج الملائم. حسمت جل الاختيارات مسبقا بالتوجه نحو المنوال الفرنسي. ولم تكن تونس أيضا البلد الوحيد حديث العهد بالاستقلال الذي قلد النموذج التربوي للبلد الذي كان يستعمره.

كثيرا ما نسمع العديد من العاملين في القطاع يرددون إشاعات مفادها أن تونس قد قبضت ثمن الإصلاحات التربوية مسبقا من لدن مؤسسات النقد الدولية وعلى رأسها البنك العالمي لتجربة جملة من الخيارات التربوية على المدرسة التونسية وبذلك فقد رهنت سيادة قرارها التربوي. ومن ثمة يشعر هؤلاء أن من واجبهم لا فقط التنديد بهذه الممارسات اللاوطنية ولكن كذلك التصدي لها.

من المعلوم أن هذه المؤسسات النقدية تقوم بالعديد من الدراسات التربوية وعادة ما تنزع إلى توصيف مشاكل التربية العامة والخاصة بطريقة تجعل القارئ والسامع يرى أنها الوحيدة القادرة على توفير الحل. وقد دأب البنك العالمي بالخصوص على القيام بذلك لا في المجال التربوي فقط ولكن في كل المجالات. كما يتعمد البنك العالمي وكل المؤسسات الدولية، إلى محاولة تعميم الحلول أينما ذهبت وإلى عدم قبول تنوع النماذج واختلافها وهذه هي أجندتها التي ماانفكت تعمل جاهدة لتطبيقها. السؤال الحقيقي هو هل تستطيع هذه المؤسسات أن تفرض أي قرار على بلد يرفضه؟ طبعا، لا. لا تملك هذه المؤسسات المانحة أو المقرضة أن تفرض رأيها على بلد ما بالقوة وإن تحاول جاهدة أن تضغط وبكل الوسائل. ولكنه من السهل علينا جميعا أن نتصور أن البلدان التي تحرص أساسا على تقليد نماذج تربوية قائمة الذات وهي نفسها التي تحرص على استيراد القرارات التربوية من البلدان “المصنعة” للمعرفة لضمان جودتها هي البلدان التي ترضخ وبكل سهولة لرغبات المؤسسات النقدية حتى الرغبات غير المعلنة منها. وهي نفسها البلدان التي تسقط فريسة سهلة للقرارات المحبكة في واشنطن أو باريس.

دعونا نطرح هذه الأسئلة قبل التعنت في اتهام الغرب بالتدخل السافر في القرار الوطني وقبل أن نربع أيدينا عاجزين أمام قوة هذه المؤسسات وجبروتها وقبل أن نسلم بأن القرارات التربوية مفروضة ومدفوعة الثمن وقبل أن نخلد الخلود المريح لنظرية التآمر:

  1. متى قمنا بتقييم خياراتنا التربوية سواء تلك التي استوردناها علنا أو تلك التي طبخناها محليا مستعينين بأفكار أو نماذج صنعت أساسا في الشمال؟ هل كانت هذه التقييمات علمية؟ من قام بالتقييم ولماذا؟
  2. أين هو البحث العلمي التربوي الذي يسبر الواقع كما هو وليس كما نتخيله أو كما نتمناه؟
  3. أين هي القرارات التربوية المستندة إلى البحث التربوي العلمي؟
  4. أين هي كلية التربية الحاضنة الطبيعية للبحث التربوي (أنظر مقالي المنشور بجريدة الصباح في 04 فيفري 2010) ؟
  5. أي دور للتوافق حول الإصلاح التربوي في مرحلة تتحتم فيها المصارحة والمكاشفة عن كل الأخطاء التربوية السابقة؟

 

سأتوقف عند هذه الأسئلة وإن كانت القائمة أطول بكثير مما ذكرت الآن وكل أملي أن لا تمر هذه الفترة من دون القيام بإصلاحات حقيقية وجوهرية تؤسس لغد أفضل لكل أبناء تونس وبناتها وتضمن حقهم لا في التعليم فقط ولكن في تعليم عالي الجودة. أتوقف هنا وكل أملي أن تتكاتف كل الجهود الوطنية الصادقة قبل أن نصل إلى مرحلة لا يؤم فيها المدرسة العمومية إلا الفقير المحتاج الذي لا يقدر على تكاليف المدارس الخاصة. أتوقف هنا وكلي أمل أن ينخرط كل المنتفعين في الشأن التربوي من تلاميذ وأولياء ومشغلين ومجموعة وطنية وأن يكف الجميع على اعتبارهم “مستهلكين” لخدمات ليس لهم فيها قول أو حول.

مقالات صحفية